gocorporation
download
شرح أصول في التفسير (الشرح الأول) - 7
402
عناصر المادة:

الطالب: القصص.القصص والقص لغةً: تتبع الأثر، وفي الاصطلاح: الإخبار..الشيخ: الإخبار نعم، عندنا: الأخبار، والصواب كسر الهمزة.الطالب: وفي الاصطلاح: الإخبار عن قضية ذات مراحل يتبع بعضها بعضًا، وقصص القرآن أصدق القصص؛ لقوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]؛ وذلك لتمام مطابقتها للواقع.وأحسن القصص؛ لقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]؛ وذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى.وأنفع القصص؛ لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]؛ وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق.الشيخ: نعم، القصص في اللغة: تتبع الأثر، ومنه قوله تعالى: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف: ٦٤] أي: يقصان الأثر ويتبعانه، لكنها في الاصطلاح: الإخبار عن قضية ذات مراحل يتبع بعضها بعضًا.فلو قلت: زيد قائم، فهذا قصة ولَّا غير قصة؟طلبة: غير قصة.الشيخ: ليه يا إخوان؟طلبة: (...).الشيخ: ما هي ذات مراحل يتبع بعضها بعضًا.ولو قلت: سافر زيد إلى مكة، فنزل في القرية الفلانية لمدة يوم، ثم ركب منها متجهًا إلى مكة، ونزل في البلد الفلاني كذا وكذا يومًا، صارت هذه قصة.(قصص القرآن أصدق القصص) هذا لا شك فيه؛ لأن المخبِر بها من؟ الله جل جلاله، ودليل هذا قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]، والاستفهام هنا بمعنى النفي والتحدي؛ يعني: لا أحد أصدق من الله حديثًا، وإن ادعيت فأتِ بأحدٍ أصدق من الله حديثًا؛ وذلك لتمام مطابقتها للواقع، وهذا هو الصدق؛ الصدق: مطابقة الخبر للواقع.كذلك أيضًا قصص القرآن (أحسن القصص؛ لقول الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ؛ وذلك لاشتماله على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى) فهي أحسن القصص لفظًا، وأحسن القصص معنًى.ثالثًا: (وأنفع القصص؛ لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ؛ وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق)، كذا؟غير قصص القرآن؛ ما جاءت به السنة فهو مثل القرآن من حيث الصدق إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أنه أحسن قصص الخلق وأنفع قصص الخلق، فما قصه النبي صلى الله عليه وسلم علينا من أخبار بني إسرائيل فهو حق وصدق، وفيه عبرة، وفيه منفعة، وقد قصَّ النبي عليه الصلاة والسلام على أمته أشياء كثيرة، لكن نحن الآن نتكلم عن أيش؟ عن علوم القرآن.

***

الطالب: وهي ثلاثة أقسام:قسم عن الأنبياء والرسل وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين.وقسم عن أفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة، فنقله الله تعالى عنهم، كقصة مريم، ولقمان، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وذي القرنين، وقارون، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، وأصحاب الأخدود، وغير ذلك.وقسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كقصة غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وبني قريظة، وبني النضير، وزيد بن حارثة، وأبي لهب، وغير ذلك.الشيخ: نعم، هذه أقسام ثلاثة في قصص القرآن:الأول: عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين، وفي هذا يقول الله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]؛ ولهذا المصدر الوثيق عن أخبار الأمم هو: ما جاء عن الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وفي هذه القصص عبرة عظيمة؛ عبرة للمؤمنين، وعبرة للمكذبين.ثانيًا: قصص (عن أفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة، فنقله الله تعالى عنهم، كقصة مريم ).وقصتها مبسوطة في سورة مريم، وفيها عبرٌ كثيرة، من أهمها قوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم: ٢٥] امرأة نفساء -والمرأة النفساء في العادة ضعيفة- يقال: هزي إليك بجذع النخلة لا برأسها، والهز بالجذع صعب، الرأس يتحرك أكثر، لكن الجذع صعب.هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًايسقط من فوق رطب طري ثري، جَنِيًّايعني: لا ينتقص إذا سقط على الارض، بل كالذي جناه الإنسان برفق، أليس هذا من آيات الله؟ عبرةٌ من آيات الله عز وجل، يعتبر بها الإنسان على قدرة الله تبارك وتعالى.قصة لقمان أيضًا مع ابنه وهو يعظه قصة عظيمة فيها فوائد، من أهمها: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: ١٧ - ١٩]، كلها حكم.كذلك قصة (الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها) هامدة يابسة، فقال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: ٢٥٩] يعني: كيف يحيي الله هذه القرية بعد أن ماتت؟ فأراه الله ذلك، أماته الله مئة عام.ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم [البقرة: ٢٥٩] وهي مئة سنة؛ لأن الوقت يروح إذا لم تكن الروح في الجسم حالة حلولا تامًّا، ذهب الوقت وأنت لا تشعر؛ ولهذا نجد النائم تمضي عليه الساعتان والثلاث وكأنها دقيقة واحدة، والمغمى عليه أشد، وكذلك الغائب بالبنج يمضي عليه الوقت ما علم، الميت كذلك من باب أولى.قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [البقرة: ٢٥٩]؛ لأن الله أماته في أول النهار وأحياه في آخر النهار، فقال: إما يوم، إن كان هذا هو اليوم الثاني من موته أو بعض يوم.قال الله له: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍسبحان الله! مئة عام ولم يتغير الرجل، ما زاد شعره ولا حصل له نموٌ، ولا تغيُّر، ولا انتفاخ.ثم قال الله له: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْأي: لم يتغير؛ الطعام والشراب ما تغير لا باللون ولا بالريح، ولا بلبوثه، ما تغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ شراب يكون في الشمس والهواء والليل والنهار ولم يتغير، ولم يُسلَّط عليه سَبُع يشرب منه، باقٍ كما هو، سبحان الله! والطعام كذلك لم يتغير، وقد قيل: إنه عنب، وقيل غير ذلك، لكن لا يهمنا، المهم حتى وإن كان عنبًا أو خبزًا أو غيره، كيف لم يتغير؟وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِنظر إلى عظامه وإذا هي تلوح، شوف الحمار متغير، والطعام والشراب لم يتغير، سبحان الله! لأن محطة الحجة في الحمار، فكون الطعام لم يتغير والشراب، هذا فيه قدرة على إبقاء الأمور كما كانت.وقضية الحمار فيه دليل على قدرة الله تعالى على إنشاء الأمور بعد اضمحلالها، الله أكبر! الحمار نظر إلى عظامه تلوح، فقال الله له: انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا [البقرة: ٢٥٩]، فنظر إلى العظام يركب بعضها بعضًا، وتشبك بالعصب، تنشذ بالعصب، ثم تكسى اللحم، ثم قام الحمار، الله أكبر، سبحان الله! كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌهذه قصة مما يحيي القلب، ويعرف به قدرة الله سبحانه وتعالى.كذلك أيضًا ذي القرنين؛ ذو القرنين أعطاه الله تعالى ملكًا عظيمًا بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وقصته مشهورة، ومن أعظم ما فيها من العبر: أنه أتى على قوم لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [الكهف: ٩٣] يعني: لا يكادون يفقهون هم بأنفسهم، ولا يُفقِهون أيضًا، إن كلمهم إنسان ما فقهوه، وهم أيضًا إن كَلَّموه لا يُفهِمون، فقالوا له: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] يعني: نعطيك دراهم، عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّامع أنه ملك عظيم ظنوا أنه يأخذ رشوة، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف: ٩٤، ٩٥] يعني: خير مما تعطونني، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًاوالردم أبلغ من السد؛ يعني: ما يستطيعون في الردم، السد ربما يحاولون زحزحته، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] فزبروا له الحديد وأحمى عليه في النار، حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًانحاسًا، فأفرغ عليه نحاسا ذائبًا، فتلاصق الحديد بعضه ببعض بالنحاس، من يستطيع يفكه؟فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُلأنه أملس، وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٧، ٩٨]، هذه من القصص القريبة.كذلك أيضًا قارون؛ قارون رجل غني من قوم موسى، ولكنه كفر به، وفخر واستعلى بما أعطاه الله من المال، وبغى على قومه، وآتاه الله من الكنوز ما مفاتحه تنوء بالعصبة؛ أي: ما يستطيعون حملها؛ المفاتح، كيف عدد الخزائن وما فيها؟ فقال الله عز وجل حين طغى هذا الرجل: خَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص: ٨١] كله انهار، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ.كذلك أيضًا أصحاب الكهف، أصحاب الكهف قصتهم عجيبة؛ سبعة ومعهم كلب خرجوا من قومهم؛ لأنهم كانوا يشركون بالله، وهؤلاء مخلصون لله موحدون له، خرجوا مهاجرين إلى الله، وما أحد قصد الله فخاب أبدًا، آواهم الله عز وجل، هيأ لهم كهفًا غارًا واسعًا وجهه إلى الشمال الشرقي، ما تأتيه الشمس إذا غربت ولا إذا أشرقت، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف: ١٧] شيء يسير عند الغروب، بقوا في الغار نائمين، ما هو ميتين، نوم.والنائم إذا طال نومه مَلَّ وجاع وعطش، لكن هؤلاء ما فعلوا، إلا أن الله تعالى يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال؛ لئلا تفسد أجسامهم، الكلب باسط ذراعيه بالوصيد، ما كأن شيئًا جرى، وربط الله به ما تعداهم، وبقوا ثلاث مئة سنة وتسع سنوات.حتى أخلف الله سبحانه وتعالى عن الملك الأول المشرك بملك صالح، بقوا في هذا الكهف هذه المدة يقلبهم الله عز وجل ذات اليمين وذات الشمال، ولم يقل: يتقلبون، لماذا؟ لأن فعل النائم لا ينسب إليه، فقد رفع عنه القلم، يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، بعثهم الله، تنازعوا كم لبثتم؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف: ١٩] وهم بقوا ثلاث مئة سنين وتسع سنوات؛ لأنهم ناموا أول النهار واستيقظوا آخر النهار، فظنوا أنهم في يوم واحد أو يومين، لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍوطلبوا أن يبعث واحد منهم بورقهم؛ بالدراهم إلى المدينة ليشتري طعامًا، ولما ذهب إلى المدينة ورأوا السكة، والسكة قديمة لها ثلاث مئة سنة، ولعلها -والله أعلم- عليها صورة الملك القديم فتعجبوا منه.هذه القصة فيها عبر عظيمة، وإن شاء الله تعالى أن نعطي كل واحد منكم قصة من هذه القصص يتأملها ويقدم ما فيها من الفوائد والعبر.فيها أيضًا: أصحاب الفيل؛ أصحاب الفيل قوم جاؤوا ليهدموا الكعبة؛ وذلك أن ملك اليمن وضع عنده كعبة تضاهي الكعبة التي في مكة من أجل أن الناس يحجون إليها، فجاء أحد العرب إلى هذه الكعبة وتغوط فيها، لأيش؟ إهانة لها، فغضب الملك وبعث إلى مكة جندًا عظيمًا يتقدمهم فيل عظيم، يريد أن يهدم الكعبة، فلما وصل إلى مكان يسمى المغمَّس قريب من (...)، أبى الفيل أن يتقدم؛ إذا وجههوه إلى مكة وقف، وإذا وجههوه إلى اليمن هرول، بإذن الله عز وجل.ولهذا لما بركت ناقة الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديبية، وأراد منها أن تقوم أبت، فقال الصحابة: خلأت القصواء -خلأت يعني: حرنت- قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ مَا حَرَنَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ»، دفع الظلم حتى عن البهائم واجب؛ لأنهم ظلموها لما قالوا: خلأت، فقال: «مَا خَلَأَتْ» فعلًا، وأيضًا ليس هذا لها بخلق، ناقة مطواع، «وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ»، ثم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَجَبْتُهُمْ عَلَيْهَا».وهذا هو الذي جعله عليه الصلاة والسلام يخضع للشروط التي تعرفونها، حتى لما قال: «اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قالوا: ما نعرف الرحمن ولا الرحيم، اكتب: باسمك اللهم، إلى ها التعنت، قال: اكتب باسمك اللهم، لما قال: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، قال: اصبر، لا تكتب: محمدٌ رسولُ الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ولا صددناك، لكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال: «اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» ، ثم ذكر بقية الشروط التي حصل فيها معارضة من كبار الصحابة.المهم أصحاب الفيل ما الذي حصل لهم؟ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، قال العلماء: أَبَابِيلَ [الفيل: ٣] يعني: جماعات متفرقة كثيرة معها حجارة من سجيل، هذه الحجارة تضرب الواحد من رأسه وتخرج من دبره، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل: ٥] العصف: الزرع الذي أكلته الإبل أو البقر ووطئته بأقدامها.والفيل -كما قلت لكم- حبسه الله تعالى في مكان يقال له: المغَمَّس، كما قال الشاعر الجاهلي:
حَبَسَ الْفِيلَ فِي الْمُغَمَّسِ حَتَّى ظَـــــــــــــــلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَــــــــــــــــــكْبُولُ
وليس في وادي المحسر، كما زعمه بعض العلماء، وإنما أسرع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وادي محسر لوجهين:الوجه الأول: أن الوادي دعس؛ يعني فيه رمل مع التراب، وهذا يجعل الإبل (...) في المشي، فأسرع.والثاني: أن أهل الجاهلية كانوا يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجادهم وأمجاد آبائهم، فأراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخالفهم، فهم ينزلون والرسول يسرع.قال: (وأصحاب الأخدود) (الأخدود) جمع (خَد)، وهو الحفر في الأرض؛ حفر السواقي، أصحاب الأخدود قوم اعتدوا على مؤمنين بالله عز وجل، اعتدوا عليهم هذا العدوان البشع، حاولوا منهم أن يرتدوا عن إيمانهم، ولكنهم أبوا وصمموا على الإيمان، وفي ذلك أنزل الله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ١ - ٦]، خدُّوا الأخاديد وأضرموا فيها النار، وجعلوا يلقون المؤمنين في النار، وهم قعود متفكهين حولها، ما كأن الذي يلقى في النار من بني آدم.وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٧، ٨] لم يَعْتَدِ هؤلاء المؤمنون عليهم بأخذ مال ولا بانتهاك عرض، ولا بضرب، ولا بشيء، وما هي إلا عداوة دينية من هؤلاء المعتدين، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج: ٨، ٩].ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠]، وعلم من الآية أنهم لو تابوا لم يعذبوا بجهنم، والتوبة من الكفر تجُب ما قبلها حتى وإن كان متعلقًا بالغير، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨].لا يقال: إن هذا حق آدمي، نقول: إن قتل هؤلاء الكفار لهؤلاء المؤمنين ليس لكونهم آدميين، بل لإيمانهم، وكراهتهم للإيمان ومن يحمل الإيمان؛ ولهذا إذا آمنوا ارتفع عنهم أثر هذا القتل، وإلَّا فهذه مشكلة؛ وهي أن بعض الناس قد يقول: كيف يعفى عنهم وهم قتلوا الآدمي، وحق الآدمي لا يغفر بالتوبة؟ قلنا: إنهم لم يقتلوا الآدميين لأنهم آدميون، ولكن لأنهم مؤمنون، فهم قتلوهم لكراهة ما يحملونه من الإيمان، فلما آمنوا ارتفع عنهم الأثر، وعفي عنهم كل شيء؛ ولهذا قال: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠].قال الحسن البصري رحمه الله: ما أحلم الله؛ يقتلون أولياءه ثم يدعوهم إلى التوبة ، ولا شك أن هذا من حلم الله عز وجل على عباده.قال: (وغير ذلك)، تحفظون شيئًا من القصص غير ذلك؟ كثير.طالب: صالح (...).الشيخ: لا، صالح والأنبياء سبق، لكن نحن الآن في القسم الثاني؛ غير الأنبياء.طالب: صاحب الجنتين.الشيخ: نعم، صاحب الجنتين، وأصحاب الجنة، وكذلك الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؛ ولهذا نقول: في سورة البقرة خمس قصص فيها إحياء الموتى:القصة الأولى: قوم موسى؛ فإنهم قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥] فماتوا؛ أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، ثم بعثهم الله من بعد موتهم.القصة الثانية: البقرة؛ أصحاب البقرة الذين تنازعوا في قتيل لهم، فأمرهم الله عز وجل أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعضها؛ أي: بجزء منها، في النهاية بعد مراجعات ذبحوها وما كادوا يفعلون، وضربوه ببعضها، فحيي الرجل، وقال: الذي قتلني فلان، والظاهر أنه مات على طول، هذه قصتان.الثالثة: الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: ٢٤٣] يعني: أنه وقع في ديارهم وباء، فخرجوا هاربين خوفًا من الموت، فأراهم الله عز وجل أنه لا مفرَّ من قدر الله، قال لهم: موتوا فماتوا، ثم أحياهم، أماتهم ليعلموا أنه لا مفر من قدر الله عز وجل؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وقع في أرضه الطاعون أن يخرج من أرضه فرارًا من الطاعون ؛ لأن هذا ينافي التوكل، ولأنه ربما يعاقب بأن يموت قبل أن يموت من في البلد. هذه أربع؟طالب: ثلاث.الشيخ: ثلاث، الرابعة؟طالب: الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها.الشيخ: صاحب القرية الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وتكلمنا عليه.خامسًا: إبراهيم والطيور؛ إبراهيم قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، والإنسان مأمور بما يزيد في إيمانه من طمأنينة القلب والثبات، فأمره الله عز وجل أن يأخذ أربعة من الطير، وأن يقتلهم ذبحًا، ويخلط بعضهن ببعض، ويجعل على كل جبل منهن جزءًا، ففعل، ثم أمره الله أن يدعوهن؛ يقول: أيتها الطيور، أقبلي -هذه كلمة- فأقبلت تأتيه سعيًا، لا طيرانًا على خلاف المألوف من الطيور من أماكن بعيدة لازم تطير، لكن هذه أتت من قمم الجبال تسعى سعيًا حتى وقفت بين يديه بعد أن أحياها الله عز وجل. هذه خمس قصص في إحياء الموتى.أما ما ذكر الله تعالى عن عيسى فهي كثير؛ لأن عيسى يحيي الموتى بإذن الله؛ يقف على الميت ويقول: احيا بإذن الله، فيحيا ويقوم، يأتي إلى القبر ويقول: احيا يا فلان، اخرج، ثم يخرج من قبره، آية من آيات الله عز وجل.فالحاصل أن القصص في القرآن كثيرة، وكلها نافعة، وكلها عبرة، لكن ينبغي أن ننبه على أن هناك مؤلفين ألفوا في قصص الأنبياء، وألفوا في قصص القرآن عمومًا، لكن خلطوا بين الحابل والنابل، وصاروا كحطاب الليل، ربما يكون في حطبِه حية أو عقرب، ولا يميزون؛ ولذلك يجب الحذر مما ألف في قصص الأنبياء أو غيرها من قصص القرآن، ولا ينبغي أن يراجعها إلا طالب علم يعرف الغث من الثمين؛ لئلا يضل.القسم الثالث: (حوادث وأقوام في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، كقصة غزوة بدر)، بدر مذكورة في القرآن؟ نعم مذكورة، كذلك أيضًا أُحُد مذكورة.(الأحزاب، بنو قريظة، بنو النضير، زيد بن حارثة، أبو لهب)؛ ولهذا ذُكر باسمه من هذه الأمة رجلان؛ أحدهما في مقام الثناء، والثاني في مقام القدح، من الذي في مقام الثناء؟طلبة: زيد بن حارثة.الشيخ: زيد؛ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٣٧].وفي مقام القدح أبو لهب أنزل الله تعالى فيه سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد: ١ - ٥]، وهو عم الرسول عليه الصلاة والسلام، والله تعالى لا يحابي أحدًا لقرابته من الرسول، ولا يظلم أحدًا لبعده من الرسول؛ أبو لهب أنزل الله فيه سورة كاملة في ذمه والقدح فيه، وأبو طالب قال فيه: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] مع أن كلا منهما عمٌّ، لكن لماذا؟ لأن أبا لهب آذى الرسول عليه الصلاة والسلام، وأبو طالب نصر الرسول عليه الصلاة والسلام، والله تعالى حكم عدل، أعطى كل واحد منهما ما يستحق.هل ذكر أحد من الصحابة بوصف ينطبق عليه على وجه تام، من؟طالب: أبو بكر.الشيخ: في؟الطالب: في التوبة، إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠].الشيخ: هذه أجمع المفسرون على أن المراد به أبو بكر رضي الله عنه.وكذلك أيضًا ربما يقال، كما قاله بعض العلماء في سورة الليل إذا يغشى: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى [الليل: ١٢، ١٣] وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [الليل: ١٧] فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ١٤ - ٢١]، فهذه الآية نزلت في أبي بكر، لكن لا يمنع أن تكون شاملة لغيره؛ لأن العبرة بعموم اللفظ.أما إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ [التوبة: ٤٠] فهذا وصف لا يستحقه أحدٌ سوى أبي بكر رضي الله عنه.

***

الطالب:وللقصص في القرآن حكم كثيرة عظيمة، منها:أولًا: بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص، كقوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٤، ٥].ثانيًا: بيان عدله تعالى..الشيخ: هذه من فوائد القصص؛ بيان حكمة الله عز وجل؛ لقوله بهذه الآية: حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ.وقوله: فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ(ما) يجوز أن تكون نافية؛ يعني: ما تغنيهم النذر، ويجوز أن تكون استفهامية؛ يعني: فأي شيء تغنيهم النذر؟ وأيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ.

***

الطالب: ثانيًا: بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين؛ لقوله تعالى عن المكذبين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ١٠١].الشيخ: نعم، هذه في سورة هود، لما ذكر الله تعالى قصص الأنبياء وإهلاك قومهم قال: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، والآية تفيد أن هناك معنًى آخر غير بيان العدل، وهو قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُأي: بيان أن آلهة هؤلاء المكذبين لم تغنِ عنهم شيئًا.

***

الطالب: ثالثًا: بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين؛ لقوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر: ٣٤، ٣٥].رابعًا: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين له؛ لقوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر: ٢٥ - ٢٦].ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه..الشيخ: بل قوله: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: ٣٤] السحر متى؟ آخر الليل، مع أن الله تعالى قال: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود: ٨١]، وكيف يجمع بين هذا وبين أن الله أنجاهم بسحر؟ الظاهر أن ذلك لما امتدت العقوبة من السحر إلى الصباح، وكان منتهى العقوبة في الصباح، صار موعد إهلاكهم جميعًا هو الصباح.ولكن هناك آية يقول الله تعالى فيها: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، فهل هذا يعني أن الإيمان والإسلام شيء واحد؟ الجواب: لا، بل هذا يدل على أن الإيمان شيء، والإسلام شيء آخر؛ لأنه قال: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَولم يقل: مَن كان فيها مِن المسلمين، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وذلك أن الذين خرجوا ونجوا هم لوط وأهله إلا امرأته، وامرأته كانت معهم في السكن، وكان ظاهرها أنها مسلمة، كما قال الله تعالى: امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠] أي: خانتاهما في الكفر، ولوط لم يعلم عنها، لكنها في وسط الدار مسلمة لم يظهر منها معارضة؛ ولهذا ليس في القرية سوى بيت من المسلمين، والذي نجا وخرج هم المؤمنون؛ لأن المرأة لم تخرج.طالب: يذكر أهل العلم أن ابن كثير رحمه الله من المحدثين الممحصين، فهل ما يكون في تفسيره من هذه القصص يعلق على هذه القصص؛ قصص القرآن؟الشيخ: هو رحمه الله غالب القصص يعلق عليها، ولكن أحيانًا يغفلها رحمه الله.الطالب: ما يذكره من آثار -يا شيخ- والنقول، هل تقبل؟الشيخ: كلها سواء من نقولٍ أو من آثارٍ أو من كلام العلماء، هو -كما تعرفه- يذكر السند، لكن أحيانًا يعلق عليه، وأحيانًا لا يعلق، وحتى الإسرائيليات اللي يذكرها -وهي قليلة- أحيانًا يعلق عليها، وأحيانًا لا يعلق.طالب: خير الكتب في قصص القرآن؟الشيخ: ما علمت شيئًا أنه خير على الإطلاق، أبدًا، القرآن تناوله العلماء من عدة أوجه، فليس فيها شيء تستطيع أن تقول: هو خير على سبيل الإطلاق، لكن بعضها خير من وجه، وبعضها خير من وجه آخر.إذا زاد عمر الولد عن شهر، ماذا تسمى؟الجواب: العقيقة، كغيرها مما يتقرب به إلى الله؛ لا بد أن تبلغ سنًّا معينًا، وأن تسلم من العيوب المانعة من الإجزاء، وأما أفضل ما تكون ففي اليوم السابع، قال العلماء: فإن فات ففي الرابع عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين، ثم بعد ذلك تذبح أي وقت.طالب: قول الله عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [النمل: ٧٦]، هل يستفاد من هذا جواز ما يقوله بعضهم عند ذكر الآيات، تقول الآية: كذا، يقول القرآن: كذا؟الشيخ: إي، يجوز من باب التجوز، لكن الأحسن أنه يقول: قال الله تعالى، هذا الأحسن.طالب: ما في سورة هود مثل ما في سورة القمر؟الشيخ: في أيش؟طالب: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ [هود: ١٠١] هل يصلح تكون نافية (...)؟الشيخ: إي نعم، يصلح.

***

الطالب: بسم الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير: وللقصص في القرآن الكريم حِكَمٌ كثيرة عظيمة، منها: أولًا: بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته في هذه القصص، كقوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٤، ٥].ثانيًا: بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين؛ لقوله تعالى عن المكذبين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ١٠١].ثالثًا: بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين؛ لقوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر: ٣٤، ٣٥].رابعًا: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين له؛ لقوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر: ٢٥، ٢٦].خامسًا: ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه إذا علموا نجاة المؤمنين السابقين وانتصار من أمروا بالجهاد؛ لقوله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨]، وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧].سادسًا: تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم؛ لقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠].سابعًا: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ لقوله تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩]، وقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩].الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فوائد القصص في القرآن، وهي كثيرة نذكر منها ما يلي:أولًا: (بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص).دليل ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٤، ٥]، ثم ذكر الله عز وجل قصص الأنبياء في هذه السورة.ثانيًا: (بيان عدله جل وعلا بعقوبة المكذبين؛ لقول الله تعالى عن المكذبين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ).لأننا إذا تتبعنا هذه القصص وجدنا أن الله سبحانه وتعالى انتقم من الظالمين لأي شيء؟ لظلمهم؛ ولهذا قال: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فيتبين بذلك كمال عدل الله سبحانه وتعالى.ثالثًا: (بيان فضله بمثوبة المؤمنين؛ لقوله الله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ).الرابع: (تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما أصابه من المكذبين له).وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بما يقولون وما يكذبونه؛ لأنه يحب عليه الصلاة والسلام من جميع الناس أن يؤمنوا، ولكنه يقابل من قومه -وهم أقرب الناس إليه- بالتكذيب والإهانة والأذية، ولا شك أنه سوف يتأذى بهذا، ولكن الله تعالى يسليه بذكر أخبار الأمم السابقة.يقول عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فاطر: ٢٥] البينات يعني: بالآيات البينات، (الزُّبُر) جمع (زَبُور)، وهو الكتاب، وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ؛ إما أنه من عطف المرادف على مرادفه، كقوله:
......................... فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
ويكون الفائدة من العطف تظهر في قوله الْمُنِيرِيعني: الكتب التي تنير للناس طريق الهداية، ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر: ٢٦]، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سوف يتسلى بهذا ويتصبر؛ ولهذا تقول الخنساء وهي تتحدث عن مصيبتها لأخيها صخر:
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
أتأسى بالناس وأقول: هؤلاء أصيبوا أيضًا في إخوانهم وآبائهم وأقاربهم، فتتسلى.وقد أشار الله إلى هذا في قوله: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]، وهذا يدل على أن اشتراك الناس في العذاب يخفف عليهم، لكن في يوم القيامة لا ينفع هؤلاء اشتراكهم في العذاب.خامسًا: (ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه إذا علموا نجاة المؤمنين السابقين وانتصار من أمروا بالجهاد؛ لقول الله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨]).فإن المؤمنين إذا علموا أن الله ينصر من سبق وأنه يثيبهم، فإنهم سوف ينشطون على ما هم عليه من الإيمان ويثبتون عليه.وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧]، الشاهد من هذا قوله: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَأوجب الله عز وجل على نفسه أن ينصر المؤمنين.ولكن من هم المؤمنون؟ هل هم المؤمنون بالاسم أو بالحقيقة؟ الثاني؛ هم المؤمنون بالحقيقة الذين صدقوا المرسلين واتبعوا المرسلين، فإن هؤلاء لا بد أن ينصروا؛ لأن الله تكفل بذلك في قوله: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.وفي قوله تعالى: فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواإثبات صفة الانتقام لله عز وجل وأنه ينتقم، لكن ممن؟ من المجرمين، وهذه الصفة لا تُقال على سبيل الإطلاق، لم ترد إلا مقيدة؛ ولهذا نقول: إن عَدَّها من الأسماء الحسنى غلط، كما يوجد الآن في بعض الكتب التي تعد أسماء الله الحسنى يقولون: من أسمائه المنتقم، وليس كذلك؛ لأن المنتقم لم ترد من أسماء الله على وجه الإطلاق، بل مقيدة؛ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]، فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا.سادسًا: (تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم؛ لقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [محمد: ١٠]).إلى الآن لم يصل الشاهد في الآية، الشاهد قوله: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَايعني: فاحذروا أيها الكفار أن يصيبكم مثلما أصاب هؤلاء من التدمير، ولكن نقول:
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
كما قال الله عز وجل: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ [النمل: ٨٠، ٨١].سابعًا: (إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عز وجل، كقول الله تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩]).فإذا قصَّ النبي عليه الصلاة والسلام قصصًا على الوجه المطابق دل ذلك على أنه رسول الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يتلقى الأخبار، فإذا أتى بأخبار من سبق دل على أنه يوحى إليه، وأن هذا من الله، وكقوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، فإذا تحدث النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم عنهم عُلم أن ذلك عن طريق الوحي.هذه سبع فوائد لقصص القرآن، وربما تظهر فوائد أخرى للمتأمل.طالب: بارك الله فيك، قوله تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣] (...)؟الشيخ: أصلها الزبر هي الكتب، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل: ٤٣، ٤٤].طالب: (...) داود (...) زبور؟الشيخ: كل كتاب يسمى زبورًا، لكن قد يطلق هذا الاسم على شيء معين.طالب: أحسن الله إليك، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧]، وين خبر كان؛ (حقًّا) ولَّا (علينا)؟الشيخ: (حقًّا) هذه خبرها مقدم، و(نصرُ) اسمها مؤخر، والتقدير: وكان نصرُ المؤمنين حقًّا علينا.طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، أحيانًا ترد في القصص أحكام، كمثل: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فهل إذا نسي أحدنا فيشرع له ويسن له أن يقول هذه العبارة؟الشيخ: أيش يقول؟الطالب: (...) لا إله إلا الله، عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدًا؟الشيخ: ما أدري، تحتاج إلى (...).

***

الطالب:

تكرار القصص

من القصص القرآنية ما لا يأتي إلا مرة واحدة، مثل قصة لقمان، وأصحاب الكهف، ومنها ما يأتي متكررًا حسب ما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة، ولا يكون هذا المتكرر على وجه واحد، بل يختلف في الطول والقصر، واللين والشدة، وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون آخر، ومن الحكمة في هذا التكرار..الشيخ: نعم، تكرار القصص في القرآن ليس هذا على سبيل التكرار الذي لا فائدة منه، بل منه فائدة، لكن القصص كما قالوا: منها ما لا يتكرر، كقصة لقمان، وأصحاب الكهف، لم تذكر إلا مرة واحدة، ومنها ما يتكرر حسب ما تدعو الحاجة إليه؛ ولهذا كان أكثر القصص تكرارًا أيش؟طلبة: قصة موسى.الشيخ: قصة موسى؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإن اليهود كانوا موجودين في المدينة وقريبين من قريش، وكذلك النصارى في نجران وغيرها؛ لذلك تكررت قصة موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام أكثر من غيرهما، حسب ما تدعو الحاجة إليه وتقتضيه المصلحة، ومع هذا لا يكون هذا التكرار على وجه واحد، بل يختلف في الطول والقصر، واللين والشدة.وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون الآخر، وإن وجد نادرًا جدًّا أن تأتي الآية هي نفس الآية الأولى، فهذا قليل جدًّا، فمثلًا نجد من أخصر القصص وأشدها ما جاء في سورة القمر؛ فإن القصص قصيرة جدًّا، لكن فيها قوالة عظيمة، تختم كل واحدة بقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٥]، فالذي يقرأ هذه السورة بتدبر لا بد أن يتأثر؛ لأنها عظيمة.ومن فوائد التكرار ما ستسمعونه الآن.

***

الطالب: أولًا: بيان أهمية تلك القصة؛ لأن تكرارها يدل على العناية بها.ثانيًا: توكيد تلك القصة؛ لتثبت في قلوب الناس.ثالثًا: مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها؛ ولهذا تجد الإيجاز والشدة -غالبًا- فيما أتى من القصص في السور المكية، والعكس فيما أتى في السور المدنية.رابعًا: بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه وذاك الوجه على ما تقتضيه الحال.خامسًا: ظهور صدق القرآن وأنه من عند الله تعالى؛ حيث تأتي هذه القصص متنوعة بدون تناقض.الشيخ: نعم، هذه من الحكم؛ (بيان أهمية تلك القصة)؛ ولذلك يكررها الله عز وجل اعتناء بها وتثبيتًا وترسيخًا.ثانيًا: (مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها؛ ولهذا تجد الإيجاز والشدة -غالبًا- فيما أتى من القصص في السور المكية، والعكس فيما أتى في السور المدنية)، وهذا من بلاغة القرآن؛ مراعاة حال المخاطب، هذه من أعلى أنواع البلاغة.رابعًا: (بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه وذاك الوجه على ما تقتضيه الحال)؛ لأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هو البلاغة في الحقيقة.خامسًا: (ظهور صدق القرآن وأنه من عند الله؛ حيث تأتي هذه القصص متنوعة بدون تناقض)، فإن هذا يدل على صدق القرآن، ويدل أيضًا من وجه آخر كونها تأتي على وجوه متعددة مما يدل على صدق القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتلوه على الناس كما ورد، وتعلمون أن الكاذب يحاول أن يخفي كذبه بكل طريق، فيحاول أن يكون كلامه الثاني أيش؟ مثل الأول، حتى لا يقول الناس: إنك كذاب؛ حدثتنا في الأول على وجه كذا، وفي الثاني على وجه كذا، فإذا جاءت القصص فيها نوع من التغاير مع ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم عليها وبيانها للناس دلَّ على أنه صادق عليه الصلاة والسلام.فإن قال قائل: (متنوعة بدون تناقض)، نجد بعضها يعارض البعض في الظاهر، مثل قصة موسى مع فرعون؛ فإنه في بعض الآيات قال فرعون: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: ٣٤]، وفي بعض الآيات: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ١٠٩]، فكيف الجمع؟نقول: الجمع سهل جدًّا؛ نسبة هذا القول إلى قومه وإليه لا تعارض بينهما؛ يقول ذلك أولًا، ثم يتبعه قومه، وهذا ليس فيه غرابة، كذلك سَاحِرٌ مُبِينٌسَاحِرٍ عَلِيمٍ؛ لأن الساحر العليم يلزم من علمه أن يبين، وتعلمون أن الأمر ليس كلمة واحدة؛ قد يكون تكلم: سَاحِرٍ عَلِيمٍفي وقت، وسَاحِرٌ مُبِينٌفي وقت آخر، فالإنسان الذكي يستطيع أن يجمع بين ما ظاهره التعارض في القصة الواحدة.طالب: أحسن الله إليك، لقمان صاحب القصة هل هو نبي أم رجل صالح؟الشيخ: الذي يظهر أن لقمان رجل صالح أعطاه الله تعالى الحكمة وليس نبيًّا.طالب: أحسن الله إليك، ما الفرق بين القَصص والقِصص؟الشيخ: القَصص مصدر، و(القِصص) جمع (قصة).طالب: شيخ، بارك الله فيك، بعض كُتاب القصص يكتبون قصصًا تكون مؤثرة في واقع الناس، ولكنها خيالية لا حقيقة لها، فهل يجوز الاستشهاد بها في الوعظ والإرشاد؟الشيخ: لكن هل ينسبونها إلى شخص معين؟الطالب: لا ينسبوها إلى شخص معين.الشيخ: يعني يصورن حالة من الأحوال؟الطالب: نعم.الشيخ: إي نعم، ما تقولون في هذا؟ يقول: بعض الناس تكتب قصص خيالية ما لها أصل، ولا ينسبها إلى شخص معين حتى يقال: إنه كاذب، يصور حالة من الأحوال تؤثر في أخلاق أو آداب، أو ما أشبه ذلك، هل يجوز هذا أو لا؟طالب: لا يجوز.الشيخ: لا يجوز، هذا رأي.طالب: يجوز.طالب آخر: فيه تفصيل.الشيخ: تفصيل، ما هو؟الطالب: هو إن كانت القصة كمثل يضرب مثلًا رجل بآخر وفعل كذا؛ يعني قصة تكون واقعية في الزمن اللي هو فيه، هذا لا بأس به.الشيخ: لا، هو ما يتكلم عن رجل.الطالب: قصة تكون وقعت -يا شيخ- في الأزمنة الماضية، هذا لا بأس به، أما إن كانت مكذوبة مثل ما..الشيخ: المكذوبة أن يخبر بخلاف الواقع، هذا ما أخبر عن شخص، هذا صوَّر حالة من الأحوال؛ ليبين بها حكم مسألة من المسائل، أو يحث عليها، أو ما أشبه ذلك.طالب: هذه جائزة؛ إذا لم ينص على أحد معين، ذكرنا في الدرس أن بعض أهل العلم قال في مثل قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا [الكهف: ٣٢]: إنها لم تقع، من هذا الباب.طالب آخر: شيخ، بارك الله فيك، لو كانت لغوًا وكانت ثرثرة فاضية ينبغي تركها، ولو كانت هادفة يعني تُعلم (...) واقعة، فهذه من أجل غرض المصلحة، لا بأس بها.الشيخ: إي، هذا يقول: إذا كان ثرثرة كلام لغو ما فيه فائدة، فهذه ينبغي تركها ولم يجزم بالتحريم، وإن كانت هادفة وفيها مصلحة، فلا بأس.على كل حال، في ظني أنكم سوف تختلفون، وسوف يأتي كل واحد من رأسه بتفصيل؛ ولهذا نرجئ الكلام عليها -إن شاء الله- إلى القابلة، وأنتم أيضًا خمروها في رؤوسكم، وانظروا، ونحن الآن متفقون على أنه إن نسبها إلى شخص معين وهو كاذب، هذا حرام، ما فيه إشكال، ولكن إذا قالها على سبيل أن شيئًا ما حدث، وتعلمون الرسول يضرب أمثالًا كثيرة في شيء لم يقع، لكن كل يتصوره وكل يعرفه.

***

الطالب:

الإسرائيليات

الإسرائيليات: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر، أو من النصارى، وتنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع:الأول: ما أقره الإسلام وشهد بصدقه فهو حق، مثاله ما رواه البخاري وغيره، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[الزمر: ٦٧]» .الشيخ: الإسرائيليات من القصص، ويجب الحذر منها، خصوصًا إذا كانت تتضمن عيبًا أو لمزًا لأحد الأنبياء، مثل قصة سليمان، وقصة داود، وما أشبه ذلك، كما سنذكر إن شاء الله.الإسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:(الأول: ما أقره الإسلام وشهد بصدقه)، فهذا حق، حق؛ لأنه عن بني إسرائيل، ولَّا حق؛ لأن الإسلام أقره وشهد بصدقه؟طلبة: (...).الشيخ: الثاني، مثاله: ما رواه البخاري وغيره، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله، حَبر ويقال: حِبر، وكلاهما صحيح، والحَبر هو العالم، فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، يقول: يا محمد، ما يقول: يا رسول الله؛ لأنه يهودي، لا يقر برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبِع ولًَّا إصبَع؟ طلبة: يجوز.الشيخ: فتح الهمزة وكسر الباء (أصبِع) يجوز؟طالب: يجوز.الشيخ: إي، هذه إصبع، ما حد يغلط فيها أبدًا، اللهم إلا كان من ناحية الإعراب، وإلا من ناحية الصرف ما حد يغلط فيها؛ لأنها مثلثة الهمزة والباء، والصاد ساكنة على كل حال؛ ولهذا جمعت لغاتها في بيت، بل في شطر بيت، في قول الناظم:

وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
التسع لغات في إصبع، واختم بأصبوع.
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
المرة الثالثة:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
طالب:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
الشيخ: أحسنت، إذن (إصبع) فيها عشر لغات؛ تسع باعتبار حركة الهمزة والباء، والعاشرة أُصْبوع.الإصبع هنا إصبع من؟ إصبع الرب عز وجل، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر، وليس تعجُّبًا من قوله وإنكارًا له، كما زعمه أهل التحريف الذين يقولون: إن الله ليس له أصابع -والعياذ بالله- ويقولون: إن الرسول إنما ضحك تعجُّبًا وإنكارًا.فيقال: أأنتم أعلم أم الصحابة؟ وابن مسعود من فقهاء الصحابة ومن أجلَّائهم ومع ذلك قال: إنه ضحك تصديقًا لقول الحبر، وهذه مسألة عظيمة لو كان هذا أمرًا منكرًا، ما اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على مجرد الضحك الذي يحتمل أن يكون تصديقًا، ويحتمل -إن قيل به- أن يكون إنكارًا، لو كان منكرًا لأنكره صراحة، ثم قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام أيضًا، قرأ مقررًا لهذا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِأي: ما عظموا الله حق تعظيمه، مع أنه عز وجل في هذه العظمة العظيمة؛ الأرض جميعًا كلها قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، كما قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤].طالب: الآية: ما قدروا الله؟الشيخ: لا، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ.

***

الطالب: الثاني: ما أنكره الإسلام وشهد بكذبه فهو باطل، مثاله ما روه البخاري، عن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.الشيخ: هذا الذي شهد شرعنا بتكذبيه يجب علينا أن نكذبه، مثل قول اليهود: إن الرجل إذا جامع زوجته في قُبُلها من دُبُرها صار الولد أحول، والحول هو ميل العين إلى أحد الجانبين، فأنزل الله هذه الآية: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، والحرث موضع الزرع، وهو بالنسبة للنساء أيش؟ القُبُل، فأتوا هذا الحرث، أَنَّى شِئْتُمْيعني: من أي جهة شئتم، وعلى أي حال كنتم، لكن يكون الإتيان في الحرث فقط، وهذا تكذيب لقول اليهود: إن الإنسان إذا أتى امرأته من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحول.

***

الطالب: الثالث: ما لم يقره الإسلام ولم ينكره، فيجب التوقف فيه؛ لما رواه البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون الكتاب بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، ووَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ»، ولكن التحدث بهذا النوع جائز إذا لم يُخْشَ محذورٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، رواه البخاري .الشيخ: هذا الثالث هو الميدان الفسيح لناقل الإسرائيليات؛ ما لم يرد في شرعنا تصديقه ولا تكذيبه، فهذا يجب التوقف فيه، لا نصدِّق ولا نكذِّب؛ لأننا إن صدقناه وهو باطل فقد صدَّقنا بباطل، وإن كذبناه وهو حق فقد كذَّبنا بحق، فالواجب التوقف، ودليل ذلك حديث أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، العبرانية هذه لغة اليهود، قال شيخ الإسلام: وهي قريبة من اللغة العربية، واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود، فتعلمها في أيام قليلة ، نحو ستة عشر يومًا، فدل ذلك على أنها سهلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَلَكِنْ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ».وإذا كنا لا نصدِّق ولا نكذِّب فيعني هذا أننا نتوقف، ولكن التحدث بهذا النوع –يعني: الذي لم يرد شرعنا بإنكاره ولا إثباته- جائز بشرط إذا لم يُخْشَ محذورٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، رواه البخاري.المحذور الذي يخشى منه: أن يتجه الناس إلى هذه القصص ويدعوا ما جاء في القرآن والسنة، فإذا كنا إذا أتينا بهذه الإسرائيليات التي ليس في شرعنا تصديقها ولا تكذيبها انهمك الناس بها وأقبلوا إليها، وتركوا ما في القرآن والسنة من المواعظ، ففي هذه الحال ماذا نعمل؟ يجب ألَّا ننقلها للناس، وألَّا نتحدث بها؛ لأن كل شيء يفضي إلى الإعراض عن الكتاب والسنة فإنه محرم.

***

الطالب: وغالب ما يروى عنهم من ذلك؛ ليس به فائدة في الدين، كتعيين لون كلب أصحاب الكهف، ونحوه.الشيخ: أكثر ما يروى عن الإسرائيليين ليس فيه كبير فائدة، مثلًا يقولون في كلب أصحاب الكهف: ما لونه؟ ويش علينا من هذا، يقولون في طعام الذي أماته الله مئة عام: ويش هذا الطعام؟ حنطة، عنب، تمر، وما أشبه ذلك، ما علينا؛ لأن هذا ما فيه فائدة كبيرة؛ لذلك أكثر ما يروى عنهم هو هذا الذي لا فائدة فيه.

***

الطالب: وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام؛ لما رواه الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله رضي الله.الشيخ: إذن أخبار بني إسرائيل تنقسم إلى كم؟ ثلاثة أقسام؛ما شهد شرعنا بصدقه، وما شهد شرعنا بكذبه، وما لم يشهد شرعنا بكذبه ولا صدقه، الأول أيش؟ الأول مقبول؛ لأن شرعنا شهد به، والثاني: منكر مردود؛ لأن شرعنا كذَّبه، والثالث: يجب أن نتوقف فيه، ولكن هل نتحدث به؟ نعم، بشرط أيش؟ ألَّا يكون في ذلك محذور شرعي.

***

الطالب: وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام؛ لما رواه الإمام أحمد.الشيخ: نعم، غالب ما يروى عن.. مثل تعيين لون كلب أصحاب الكهف، وذكرنا مثالًا آخر؛ الذي أماته الله مئة عام ما نوع طعامه؟ أيضًا من ذلك الشجرة التي نهى الله تعالى آدم وحواء أن يأكلا منها، ما هي؟ أي شجرة هذه؟ لا فائدة من ذلك.

***

الطالب: وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام؛ لما رواه الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.كذا يا شيخ: رضي الله عنْه؟الشيخ: عنه، عندي: عنه، والمعروف أنه إذا كان أبوه مسلمًا قيل: رضي الله عنهما، وهذا أحسن، لو عدلتموه كان أحسن.

***

الطالب: لما رواه الإمام أحمد ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ؛ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا؛ فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، أَوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي».وروى البخاري ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله محضًا لم يشب؟! وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدَّلوا من كتاب الله وغيروا، فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا واللهِ ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم.الشيخ: رضي الله عنه، هذا كلام جيد جزل، وبه نعرف أن ما يذكره علماء الحديث في المصطلح أن ابن عباس ممن عرف بالأخذ عن بني إسرائيل أنه لا صحة له؛ لأنه كيف يأخذ عن بني إسرائيل وهو ينهى عن الأخذ منهم؟! فهو يقول: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على نبيكم أحدث الأخبار عن الله؟! لأنه آخر ما نزل محضًا لم يشب؛ يعني: ما بُدِّل ولا غُيِّر، ولا زيد فيه ولا نقص منه.(وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدَّلوا من كتاب الله وغيروا، فكتبوا بأيديهم قالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا واللهِ ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم).كيف هم لا يسألوننا عن الذي أنزل إلينا مع أنه آخر ما نزل، كيف نحن نسألهم؟! وهذا من باب الإغراء في ترك سؤالهم، كأنه يقول: إذا كانوا هم لا يسألونكم، فكيف تسألونهم؟فإن قال قائل: أليس الله يقول: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤]؟فيقال: ليس هذا سؤال استعلام، ولكنه سؤال إثبات لما نزل، ثم إن هذه القضية –أعني: الشرطية؛ إن كنت في شك- لم تَرِدْ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ولم يسألهم.طالب: (...) الإسرائيليات، لو قال قائل: إن التحدث بها نوع من التصديق لها؟الشيخ: لا، إذا أضافها إلى بني إسرائيل ما هو تصديق، لكن إن ظن المخاطب أنه تصديق فيمنع؛ يعني قلنا: ما لم يكن في ذلك محذور.الطالب: (...)؟الشيخ: إذا كان محذورًا يمنع.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير:موقف العلماء من الإسرائيليات.اختلفت مواقف العلماء ولا سيما المفسرون من هذه الإسرائيليات على ثلاثة أنحاء:فمنهم من أكثر منها مقرونة بأسانيدها، ورأى أنه بذكر أسانيدها خرج من عهدتها، مثل ابن جرير الطبري.ومنهم من أكثر منها وجرَّدها من الأسانيد غالبًا، فكان حاطب ليل، مثل البغوي الذي قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تفسيره: إنه مختصر من الثعلبي، لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، وقال عن الثعلبي: إنه حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.ومنهم من ذكر كثيرًا منها وتعقب البعض مما ذكره بالتضعيف أو الإنكار، مثل ابن كثير.ومنهم من بالغ في ردها ولم يذكر منها شيئًا يجعله تفسيرًا للقرآن، كمحمد رشيد رضا.الشيخ: قوله: (موقف العلماء من الإسرائيليات) هذا قد علم مما سبق أن الاسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:قسم شهد شرعنا بصدقه، فهذا يصدق؛ لأن شرعنا شهد به.والثاني: شهد بخلافه، فهذا لا يصدق.والثالث: لم يرد شرعنا بنفيه ولا إثباته، فهذا يتوقف فيه.لكن قوله: (موقف العلماء) مراده بذلك: استعمال العلماء للإسرائيليات؛ هل هم يكثرون منها أو يقللون؟ وهل يعتبرونها أو لا يعتبرونها؟ هذا هو المقصود بهذه الترجمة.فالعلماء رحمهم الله (منهم من أكثر منها، لكنه ذكرها مقرونة بأسانيدها)، ورأى أنه إذا ذكرها مقرونة بأسانيدها خرج من العهدة.ولكن قد يقال: إن هذا فيه نظر؛ لأنه إذا ذكرها فقد لا يتيسر للقارئ أن يراجع أصولها ويعرفها، ولكن يعتذر عن ابن جرير وأشباهه أنهم -والله أعلم- لم يكن لهم فراغ في تمحيصها وتحريرها، وخافوا من ضياع الصحيح منها، فقالوا: نثبتها، ولعل الله يأتي بمن ينقحها ويحررها.والقسم الثاني: (من أكثر منها وجردها من الأسانيد غالبًا)، وهذا أقل رتبة من الأول؛ لأن الأول يذكر الأسانيد، وبإمكان الإنسان أن يراجعها ويعرف الصحيح من الضعيف، لكن هذا لا يذكر الأسانيد، فكان حاطب ليل مثل البغوي.

طالب: (...)؟
الشيخ: يمكن أن تكون من أدوات القصر، لكنها المعروف أنها من أدوات النداء.
طالب: شيخ، صيغة القسم: يمين الله، وأيم الله يجوز القسم بها؟
الشيخ: هذه أيضًا قالوا: إن قول الإنسان: يمين الله، مثل: عهد الله لأفعلن، فهي بمعنى القسم، أما القسم لا يكون إلا بالصيغة التي عرفتم، حروف القسم ثلاثة فقط، غيره إن جاء شيء بمعنى الالتزام أو الإلزام صار بمعنى القسم فقط.
طالب: شيخ، (...) ثلاثة؟
الشيخ: أربعة، أثبت الأخ أنه أربعة.
الطالب: لا، يا شيخ.
طالب آخر: لا، الأصل ثلاثة يا شيخ، لكن..
الشيخ: ما هو حكمنا بأن المثبت مقدم على النافي.
طالب: (...) بمعنى القسم، لا بالقسم الصريح، إن حنث فيه هل يجب عليه (...)؟
الشيخ: إي نعم، طيب قول الرسل: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦] هل هذا قسم أو بمعناه؟ هذا بمعنى القسم؛ ولهذا أجيب بما يجاب به القسم: إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ، لكن ما فيه قسم، ما قالوا: واللهِ إنا إليكم لمرسلون، بل قالوا: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ.
فإذا قال قائل: يعلم الله ما فعلت كذا، فهذا حكمه حكم اليمين، لكن لاحظوا أن بعض العلماء قال: إن مثل هذه الصيغة على خطر عظيم إذا كذب بها، إذا قال: يعلم الله أني ما فعلت وهو فاعل، قال: هذا يقتضي أن الله جاهل بالواقع، صح ولَّا لا؟ أيش تقولون؟
طلبة: نعم (...).
الشيخ: يعلم الله ما فعلت كذا، وأنت فاعله، فهذا يستلزم أن الله جاهل؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إن هذه من أخطر ما يكون في باب اليمين، لو قلت: واللهِ ما فعلت، وأنت فاعله، ما أدى هذا إلى كفر، ولا صارت المسألة خطيرة، لكن الله يعلم أني ما فعلته، وأنت فاعله، معناه أنه جهل بالحال.
طالب: (...)؟
الشيخ: أربعة.
الطالب: لا، أقصد: يعلم الله، وأشهد الله.
الشيخ: أربعة.
طالب: (...) أربعة يا شيخ؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول..
الشيخ: إي، هي أربعة.

***

القصص
00:03:02

الطالب:
القصص.
القصص والقص لغةً: تتبع الأثر، وفي الاصطلاح: الإخبار..
الشيخ: الإخبار نعم، عندنا: الأخبار، والصواب كسر الهمزة.
الطالب: وفي الاصطلاح: الإخبار عن قضية ذات مراحل يتبع بعضها بعضًا، وقصص القرآن أصدق القصص؛ لقوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]؛ وذلك لتمام مطابقتها للواقع.
وأحسن القصص؛ لقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]؛ وذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى.
وأنفع القصص؛ لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]؛ وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق.
الشيخ: نعم، القصص في اللغة: تتبع الأثر، ومنه قوله تعالى: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف: ٦٤] أي: يقصان الأثر ويتبعانه، لكنها في الاصطلاح: الإخبار عن قضية ذات مراحل يتبع بعضها بعضًا.
فلو قلت: زيد قائم، فهذا قصة ولَّا غير قصة؟
طلبة: غير قصة.
الشيخ: ليه يا إخوان؟
طلبة: (...).
الشيخ: ما هي ذات مراحل يتبع بعضها بعضًا.
ولو قلت: سافر زيد إلى مكة، فنزل في القرية الفلانية لمدة يوم، ثم ركب منها متجهًا إلى مكة، ونزل في البلد الفلاني كذا وكذا يومًا، صارت هذه قصة.
(قصص القرآن أصدق القصص) هذا لا شك فيه؛ لأن المخبِر بها من؟ الله جل جلاله، ودليل هذا قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]، والاستفهام هنا بمعنى النفي والتحدي؛ يعني: لا أحد أصدق من الله حديثًا، وإن ادعيت فأتِ بأحدٍ أصدق من الله حديثًا؛ وذلك لتمام مطابقتها للواقع، وهذا هو الصدق؛ الصدق: مطابقة الخبر للواقع.
كذلك أيضًا قصص القرآن (أحسن القصص؛ لقول الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ؛ وذلك لاشتماله على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى) فهي أحسن القصص لفظًا، وأحسن القصص معنًى.
ثالثًا: (وأنفع القصص؛ لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ؛ وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق)، كذا؟
غير قصص القرآن؛ ما جاءت به السنة فهو مثل القرآن من حيث الصدق إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أنه أحسن قصص الخلق وأنفع قصص الخلق، فما قصه النبي صلى الله عليه وسلم علينا من أخبار بني إسرائيل فهو حق وصدق، وفيه عبرة، وفيه منفعة، وقد قصَّ النبي عليه الصلاة والسلام على أمته أشياء كثيرة، لكن نحن الآن نتكلم عن أيش؟ عن علوم القرآن.

***

الطالب: وهي ثلاثة أقسام:
قسم عن الأنبياء والرسل وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين.
وقسم عن أفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة، فنقله الله تعالى عنهم، كقصة مريم، ولقمان، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وذي القرنين، وقارون، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، وأصحاب الأخدود، وغير ذلك.
وقسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كقصة غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وبني قريظة، وبني النضير، وزيد بن حارثة، وأبي لهب، وغير ذلك.
الشيخ: نعم، هذه أقسام ثلاثة في قصص القرآن:
الأول: عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين، وفي هذا يقول الله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]؛ ولهذا المصدر الوثيق عن أخبار الأمم هو: ما جاء عن الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وفي هذه القصص عبرة عظيمة؛ عبرة للمؤمنين، وعبرة للمكذبين.
ثانيًا: قصص (عن أفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة، فنقله الله تعالى عنهم، كقصة مريم ).
وقصتها مبسوطة في سورة مريم، وفيها عبرٌ كثيرة، من أهمها قوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم: ٢٥] امرأة نفساء -والمرأة النفساء في العادة ضعيفة- يقال: هزي إليك بجذع النخلة لا برأسها، والهز بالجذع صعب، الرأس يتحرك أكثر، لكن الجذع صعب.
هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًايسقط من فوق رطب طري ثري، جَنِيًّايعني: لا ينتقص إذا سقط على الارض، بل كالذي جناه الإنسان برفق، أليس هذا من آيات الله؟ عبرةٌ من آيات الله عز وجل، يعتبر بها الإنسان على قدرة الله تبارك وتعالى.
قصة لقمان أيضًا مع ابنه وهو يعظه قصة عظيمة فيها فوائد، من أهمها: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: ١٧ - ١٩]، كلها حكم.
كذلك قصة (الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها) هامدة يابسة، فقال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: ٢٥٩] يعني: كيف يحيي الله هذه القرية بعد أن ماتت؟ فأراه الله ذلك، أماته الله مئة عام.
ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم [البقرة: ٢٥٩] وهي مئة سنة؛ لأن الوقت يروح إذا لم تكن الروح في الجسم حالة حلولا تامًّا، ذهب الوقت وأنت لا تشعر؛ ولهذا نجد النائم تمضي عليه الساعتان والثلاث وكأنها دقيقة واحدة، والمغمى عليه أشد، وكذلك الغائب بالبنج يمضي عليه الوقت ما علم، الميت كذلك من باب أولى.
قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [البقرة: ٢٥٩]؛ لأن الله أماته في أول النهار وأحياه في آخر النهار، فقال: إما يوم، إن كان هذا هو اليوم الثاني من موته أو بعض يوم.
قال الله له: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍسبحان الله! مئة عام ولم يتغير الرجل، ما زاد شعره ولا حصل له نموٌ، ولا تغيُّر، ولا انتفاخ.
ثم قال الله له: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْأي: لم يتغير؛ الطعام والشراب ما تغير لا باللون ولا بالريح، ولا بلبوثه، ما تغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ شراب يكون في الشمس والهواء والليل والنهار ولم يتغير، ولم يُسلَّط عليه سَبُع يشرب منه، باقٍ كما هو، سبحان الله! والطعام كذلك لم يتغير، وقد قيل: إنه عنب، وقيل غير ذلك، لكن لا يهمنا، المهم حتى وإن كان عنبًا أو خبزًا أو غيره، كيف لم يتغير؟
وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِنظر إلى عظامه وإذا هي تلوح، شوف الحمار متغير، والطعام والشراب لم يتغير، سبحان الله! لأن محطة الحجة في الحمار، فكون الطعام لم يتغير والشراب، هذا فيه قدرة على إبقاء الأمور كما كانت.
وقضية الحمار فيه دليل على قدرة الله تعالى على إنشاء الأمور بعد اضمحلالها، الله أكبر! الحمار نظر إلى عظامه تلوح، فقال الله له: انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا [البقرة: ٢٥٩]، فنظر إلى العظام يركب بعضها بعضًا، وتشبك بالعصب، تنشذ بالعصب، ثم تكسى اللحم، ثم قام الحمار، الله أكبر، سبحان الله! كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌهذه قصة مما يحيي القلب، ويعرف به قدرة الله سبحانه وتعالى.
كذلك أيضًا ذي القرنين؛ ذو القرنين أعطاه الله تعالى ملكًا عظيمًا بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وقصته مشهورة، ومن أعظم ما فيها من العبر: أنه أتى على قوم لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [الكهف: ٩٣] يعني: لا يكادون يفقهون هم بأنفسهم، ولا يُفقِهون أيضًا، إن كلمهم إنسان ما فقهوه، وهم أيضًا إن كَلَّموه لا يُفهِمون، فقالوا له: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] يعني: نعطيك دراهم، عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّامع أنه ملك عظيم ظنوا أنه يأخذ رشوة، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف: ٩٤، ٩٥] يعني: خير مما تعطونني، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًاوالردم أبلغ من السد؛ يعني: ما يستطيعون في الردم، السد ربما يحاولون زحزحته، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] فزبروا له الحديد وأحمى عليه في النار، حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًانحاسًا، فأفرغ عليه نحاسا ذائبًا، فتلاصق الحديد بعضه ببعض بالنحاس، من يستطيع يفكه؟
فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُلأنه أملس، وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٧، ٩٨]، هذه من القصص القريبة.
كذلك أيضًا قارون؛ قارون رجل غني من قوم موسى، ولكنه كفر به، وفخر واستعلى بما أعطاه الله من المال، وبغى على قومه، وآتاه الله من الكنوز ما مفاتحه تنوء بالعصبة؛ أي: ما يستطيعون حملها؛ المفاتح، كيف عدد الخزائن وما فيها؟ فقال الله عز وجل حين طغى هذا الرجل: خَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص: ٨١] كله انهار، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ.
كذلك أيضًا أصحاب الكهف، أصحاب الكهف قصتهم عجيبة؛ سبعة ومعهم كلب خرجوا من قومهم؛ لأنهم كانوا يشركون بالله، وهؤلاء مخلصون لله موحدون له، خرجوا مهاجرين إلى الله، وما أحد قصد الله فخاب أبدًا، آواهم الله عز وجل، هيأ لهم كهفًا غارًا واسعًا وجهه إلى الشمال الشرقي، ما تأتيه الشمس إذا غربت ولا إذا أشرقت، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف: ١٧] شيء يسير عند الغروب، بقوا في الغار نائمين، ما هو ميتين، نوم.
والنائم إذا طال نومه مَلَّ وجاع وعطش، لكن هؤلاء ما فعلوا، إلا أن الله تعالى يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال؛ لئلا تفسد أجسامهم، الكلب باسط ذراعيه بالوصيد، ما كأن شيئًا جرى، وربط الله به ما تعداهم، وبقوا ثلاث مئة سنة وتسع سنوات.
حتى أخلف الله سبحانه وتعالى عن الملك الأول المشرك بملك صالح، بقوا في هذا الكهف هذه المدة يقلبهم الله عز وجل ذات اليمين وذات الشمال، ولم يقل: يتقلبون، لماذا؟ لأن فعل النائم لا ينسب إليه، فقد رفع عنه القلم، يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، بعثهم الله، تنازعوا كم لبثتم؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف: ١٩] وهم بقوا ثلاث مئة سنين وتسع سنوات؛ لأنهم ناموا أول النهار واستيقظوا آخر النهار، فظنوا أنهم في يوم واحد أو يومين، لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍوطلبوا أن يبعث واحد منهم بورقهم؛ بالدراهم إلى المدينة ليشتري طعامًا، ولما ذهب إلى المدينة ورأوا السكة، والسكة قديمة لها ثلاث مئة سنة، ولعلها -والله أعلم- عليها صورة الملك القديم فتعجبوا منه.
هذه القصة فيها عبر عظيمة، وإن شاء الله تعالى أن نعطي كل واحد منكم قصة من هذه القصص يتأملها ويقدم ما فيها من الفوائد والعبر.
فيها أيضًا: أصحاب الفيل؛ أصحاب الفيل قوم جاؤوا ليهدموا الكعبة؛ وذلك أن ملك اليمن وضع عنده كعبة تضاهي الكعبة التي في مكة من أجل أن الناس يحجون إليها، فجاء أحد العرب إلى هذه الكعبة وتغوط فيها، لأيش؟ إهانة لها، فغضب الملك وبعث إلى مكة جندًا عظيمًا يتقدمهم فيل عظيم، يريد أن يهدم الكعبة، فلما وصل إلى مكان يسمى المغمَّس قريب من (...)، أبى الفيل أن يتقدم؛ إذا وجههوه إلى مكة وقف، وإذا وجههوه إلى اليمن هرول، بإذن الله عز وجل.
ولهذا لما بركت ناقة الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديبية، وأراد منها أن تقوم أبت، فقال الصحابة: خلأت القصواء -خلأت يعني: حرنت- قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ مَا حَرَنَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ»، دفع الظلم حتى عن البهائم واجب؛ لأنهم ظلموها لما قالوا: خلأت، فقال: «مَا خَلَأَتْ» فعلًا، وأيضًا ليس هذا لها بخلق، ناقة مطواع، «وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ»، ثم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَجَبْتُهُمْ عَلَيْهَا».
وهذا هو الذي جعله عليه الصلاة والسلام يخضع للشروط التي تعرفونها، حتى لما قال: «اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قالوا: ما نعرف الرحمن ولا الرحيم، اكتب: باسمك اللهم، إلى ها التعنت، قال: اكتب باسمك اللهم، لما قال: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، قال: اصبر، لا تكتب: محمدٌ رسولُ الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ولا صددناك، لكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال: «اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» ، ثم ذكر بقية الشروط التي حصل فيها معارضة من كبار الصحابة.
المهم أصحاب الفيل ما الذي حصل لهم؟ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، قال العلماء: أَبَابِيلَ [الفيل: ٣] يعني: جماعات متفرقة كثيرة معها حجارة من سجيل، هذه الحجارة تضرب الواحد من رأسه وتخرج من دبره، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل: ٥] العصف: الزرع الذي أكلته الإبل أو البقر ووطئته بأقدامها.
والفيل -كما قلت لكم- حبسه الله تعالى في مكان يقال له: المغَمَّس، كما قال الشاعر الجاهلي:
حَبَسَ الْفِيلَ فِي الْمُغَمَّسِ حَتَّى ظَـــــــــــــــلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَــــــــــــــــــكْبُولُ

وليس في وادي المحسر، كما زعمه بعض العلماء، وإنما أسرع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وادي محسر لوجهين:
الوجه الأول: أن الوادي دعس؛ يعني فيه رمل مع التراب، وهذا يجعل الإبل (...) في المشي، فأسرع.
والثاني: أن أهل الجاهلية كانوا يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجادهم وأمجاد آبائهم، فأراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخالفهم، فهم ينزلون والرسول يسرع.
قال: (وأصحاب الأخدود) (الأخدود) جمع (خَد)، وهو الحفر في الأرض؛ حفر السواقي، أصحاب الأخدود قوم اعتدوا على مؤمنين بالله عز وجل، اعتدوا عليهم هذا العدوان البشع، حاولوا منهم أن يرتدوا عن إيمانهم، ولكنهم أبوا وصمموا على الإيمان، وفي ذلك أنزل الله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ١ - ٦]، خدُّوا الأخاديد وأضرموا فيها النار، وجعلوا يلقون المؤمنين في النار، وهم قعود متفكهين حولها، ما كأن الذي يلقى في النار من بني آدم.
وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٧، ٨] لم يَعْتَدِ هؤلاء المؤمنون عليهم بأخذ مال ولا بانتهاك عرض، ولا بضرب، ولا بشيء، وما هي إلا عداوة دينية من هؤلاء المعتدين، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج: ٨، ٩].
ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠]، وعلم من الآية أنهم لو تابوا لم يعذبوا بجهنم، والتوبة من الكفر تجُب ما قبلها حتى وإن كان متعلقًا بالغير، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨].
لا يقال: إن هذا حق آدمي، نقول: إن قتل هؤلاء الكفار لهؤلاء المؤمنين ليس لكونهم آدميين، بل لإيمانهم، وكراهتهم للإيمان ومن يحمل الإيمان؛ ولهذا إذا آمنوا ارتفع عنهم أثر هذا القتل، وإلَّا فهذه مشكلة؛ وهي أن بعض الناس قد يقول: كيف يعفى عنهم وهم قتلوا الآدمي، وحق الآدمي لا يغفر بالتوبة؟ قلنا: إنهم لم يقتلوا الآدميين لأنهم آدميون، ولكن لأنهم مؤمنون، فهم قتلوهم لكراهة ما يحملونه من الإيمان، فلما آمنوا ارتفع عنهم الأثر، وعفي عنهم كل شيء؛ ولهذا قال: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠].
قال الحسن البصري رحمه الله: ما أحلم الله؛ يقتلون أولياءه ثم يدعوهم إلى التوبة ، ولا شك أن هذا من حلم الله عز وجل على عباده.
قال: (وغير ذلك)، تحفظون شيئًا من القصص غير ذلك؟ كثير.
طالب: صالح (...).
الشيخ: لا، صالح والأنبياء سبق، لكن نحن الآن في القسم الثاني؛ غير الأنبياء.
طالب: صاحب الجنتين.
الشيخ: نعم، صاحب الجنتين، وأصحاب الجنة، وكذلك الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؛ ولهذا نقول: في سورة البقرة خمس قصص فيها إحياء الموتى:
القصة الأولى: قوم موسى؛ فإنهم قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥] فماتوا؛ أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، ثم بعثهم الله من بعد موتهم.
القصة الثانية: البقرة؛ أصحاب البقرة الذين تنازعوا في قتيل لهم، فأمرهم الله عز وجل أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعضها؛ أي: بجزء منها، في النهاية بعد مراجعات ذبحوها وما كادوا يفعلون، وضربوه ببعضها، فحيي الرجل، وقال: الذي قتلني فلان، والظاهر أنه مات على طول، هذه قصتان.
الثالثة: الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: ٢٤٣] يعني: أنه وقع في ديارهم وباء، فخرجوا هاربين خوفًا من الموت، فأراهم الله عز وجل أنه لا مفرَّ من قدر الله، قال لهم: موتوا فماتوا، ثم أحياهم، أماتهم ليعلموا أنه لا مفر من قدر الله عز وجل؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وقع في أرضه الطاعون أن يخرج من أرضه فرارًا من الطاعون ؛ لأن هذا ينافي التوكل، ولأنه ربما يعاقب بأن يموت قبل أن يموت من في البلد. هذه أربع؟
طالب: ثلاث.
الشيخ: ثلاث، الرابعة؟
طالب: الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها.
الشيخ: صاحب القرية الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وتكلمنا عليه.
خامسًا: إبراهيم والطيور؛ إبراهيم قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، والإنسان مأمور بما يزيد في إيمانه من طمأنينة القلب والثبات، فأمره الله عز وجل أن يأخذ أربعة من الطير، وأن يقتلهم ذبحًا، ويخلط بعضهن ببعض، ويجعل على كل جبل منهن جزءًا، ففعل، ثم أمره الله أن يدعوهن؛ يقول: أيتها الطيور، أقبلي -هذه كلمة- فأقبلت تأتيه سعيًا، لا طيرانًا على خلاف المألوف من الطيور من أماكن بعيدة لازم تطير، لكن هذه أتت من قمم الجبال تسعى سعيًا حتى وقفت بين يديه بعد أن أحياها الله عز وجل. هذه خمس قصص في إحياء الموتى.
أما ما ذكر الله تعالى عن عيسى فهي كثير؛ لأن عيسى يحيي الموتى بإذن الله؛ يقف على الميت ويقول: احيا بإذن الله، فيحيا ويقوم، يأتي إلى القبر ويقول: احيا يا فلان، اخرج، ثم يخرج من قبره، آية من آيات الله عز وجل.
فالحاصل أن القصص في القرآن كثيرة، وكلها نافعة، وكلها عبرة، لكن ينبغي أن ننبه على أن هناك مؤلفين ألفوا في قصص الأنبياء، وألفوا في قصص القرآن عمومًا، لكن خلطوا بين الحابل والنابل، وصاروا كحطاب الليل، ربما يكون في حطبِه حية أو عقرب، ولا يميزون؛ ولذلك يجب الحذر مما ألف في قصص الأنبياء أو غيرها من قصص القرآن، ولا ينبغي أن يراجعها إلا طالب علم يعرف الغث من الثمين؛ لئلا يضل.
القسم الثالث: (حوادث وأقوام في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، كقصة غزوة بدر)، بدر مذكورة في القرآن؟ نعم مذكورة، كذلك أيضًا أُحُد مذكورة.
(الأحزاب، بنو قريظة، بنو النضير، زيد بن حارثة، أبو لهب)؛ ولهذا ذُكر باسمه من هذه الأمة رجلان؛ أحدهما في مقام الثناء، والثاني في مقام القدح، من الذي في مقام الثناء؟
طلبة: زيد بن حارثة.
الشيخ: زيد؛ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٣٧].
وفي مقام القدح أبو لهب أنزل الله تعالى فيه سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد: ١ - ٥]، وهو عم الرسول عليه الصلاة والسلام، والله تعالى لا يحابي أحدًا لقرابته من الرسول، ولا يظلم أحدًا لبعده من الرسول؛ أبو لهب أنزل الله فيه سورة كاملة في ذمه والقدح فيه، وأبو طالب قال فيه: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] مع أن كلا منهما عمٌّ، لكن لماذا؟ لأن أبا لهب آذى الرسول عليه الصلاة والسلام، وأبو طالب نصر الرسول عليه الصلاة والسلام، والله تعالى حكم عدل، أعطى كل واحد منهما ما يستحق.
هل ذكر أحد من الصحابة بوصف ينطبق عليه على وجه تام، من؟
طالب: أبو بكر.
الشيخ: في؟
الطالب: في التوبة، إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠].
الشيخ: هذه أجمع المفسرون على أن المراد به أبو بكر رضي الله عنه.
وكذلك أيضًا ربما يقال، كما قاله بعض العلماء في سورة الليل إذا يغشى: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى [الليل: ١٢، ١٣] وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [الليل: ١٧] فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ١٤ - ٢١]، فهذه الآية نزلت في أبي بكر، لكن لا يمنع أن تكون شاملة لغيره؛ لأن العبرة بعموم اللفظ.
أما إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ [التوبة: ٤٠] فهذا وصف لا يستحقه أحدٌ سوى أبي بكر رضي الله عنه.

***

الطالب:
وللقصص في القرآن حكم كثيرة عظيمة، منها:
أولًا: بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص، كقوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٤، ٥].
ثانيًا: بيان عدله تعالى..
الشيخ: هذه من فوائد القصص؛ بيان حكمة الله عز وجل؛ لقوله بهذه الآية: حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ.
وقوله: فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ(ما) يجوز أن تكون نافية؛ يعني: ما تغنيهم النذر، ويجوز أن تكون استفهامية؛ يعني: فأي شيء تغنيهم النذر؟ وأيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ.

***

الطالب: ثانيًا: بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين؛ لقوله تعالى عن المكذبين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ١٠١].
الشيخ: نعم، هذه في سورة هود، لما ذكر الله تعالى قصص الأنبياء وإهلاك قومهم قال: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، والآية تفيد أن هناك معنًى آخر غير بيان العدل، وهو قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُأي: بيان أن آلهة هؤلاء المكذبين لم تغنِ عنهم شيئًا.

***

الطالب: ثالثًا: بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين؛ لقوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر: ٣٤، ٣٥].
رابعًا: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين له؛ لقوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر: ٢٥ - ٢٦].
ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه..

الشيخ: بل قوله: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: ٣٤] السحر متى؟ آخر الليل، مع أن الله تعالى قال: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود: ٨١]، وكيف يجمع بين هذا وبين أن الله أنجاهم بسحر؟ الظاهر أن ذلك لما امتدت العقوبة من السحر إلى الصباح، وكان منتهى العقوبة في الصباح، صار موعد إهلاكهم جميعًا هو الصباح.
ولكن هناك آية يقول الله تعالى فيها: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، فهل هذا يعني أن الإيمان والإسلام شيء واحد؟
الجواب: لا، بل هذا يدل على أن الإيمان شيء، والإسلام شيء آخر؛ لأنه قال: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَولم يقل: مَن كان فيها مِن المسلمين، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وذلك أن الذين خرجوا ونجوا هم لوط وأهله إلا امرأته، وامرأته كانت معهم في السكن، وكان ظاهرها أنها مسلمة، كما قال الله تعالى: امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠] أي: خانتاهما في الكفر، ولوط لم يعلم عنها، لكنها في وسط الدار مسلمة لم يظهر منها معارضة؛ ولهذا ليس في القرية سوى بيت من المسلمين، والذي نجا وخرج هم المؤمنون؛ لأن المرأة لم تخرج.
طالب: يذكر أهل العلم أن ابن كثير رحمه الله من المحدثين الممحصين، فهل ما يكون في تفسيره من هذه القصص يعلق على هذه القصص؛ قصص القرآن؟
الشيخ: هو رحمه الله غالب القصص يعلق عليها، ولكن أحيانًا يغفلها رحمه الله.
الطالب: ما يذكره من آثار -يا شيخ- والنقول، هل تقبل؟
الشيخ: كلها سواء من نقولٍ أو من آثارٍ أو من كلام العلماء، هو -كما تعرفه- يذكر السند، لكن أحيانًا يعلق عليه، وأحيانًا لا يعلق، وحتى الإسرائيليات اللي يذكرها -وهي قليلة- أحيانًا يعلق عليها، وأحيانًا لا يعلق.
طالب: خير الكتب في قصص القرآن؟
الشيخ: ما علمت شيئًا أنه خير على الإطلاق، أبدًا، القرآن تناوله العلماء من عدة أوجه، فليس فيها شيء تستطيع أن تقول: هو خير على سبيل الإطلاق، لكن بعضها خير من وجه، وبعضها خير من وجه آخر.
إذا زاد عمر الولد عن شهر، ماذا تسمى؟
الجواب: العقيقة، كغيرها مما يتقرب به إلى الله؛ لا بد أن تبلغ سنًّا معينًا، وأن تسلم من العيوب المانعة من الإجزاء، وأما أفضل ما تكون ففي اليوم السابع، قال العلماء: فإن فات ففي الرابع عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين، ثم بعد ذلك تذبح أي وقت.
طالب: قول الله عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [النمل: ٧٦]، هل يستفاد من هذا جواز ما يقوله بعضهم عند ذكر الآيات، تقول الآية: كذا، يقول القرآن: كذا؟
الشيخ: إي، يجوز من باب التجوز، لكن الأحسن أنه يقول: قال الله تعالى، هذا الأحسن.
طالب: ما في سورة هود مثل ما في سورة القمر؟
الشيخ: في أيش؟
طالب: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ [هود: ١٠١] هل يصلح تكون نافية (...)؟
الشيخ: إي نعم، يصلح.

***

الطالب: بسم الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير:
وللقصص في القرآن الكريم حِكَمٌ كثيرة عظيمة، منها:
أولًا: بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته في هذه القصص، كقوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٤، ٥].
ثانيًا: بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين؛ لقوله تعالى عن المكذبين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ١٠١].
ثالثًا: بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين؛ لقوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر: ٣٤، ٣٥].
رابعًا: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين له؛ لقوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر: ٢٥، ٢٦].
خامسًا: ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه إذا علموا نجاة المؤمنين السابقين وانتصار من أمروا بالجهاد؛ لقوله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨]، وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧].
سادسًا: تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم؛ لقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠].
سابعًا: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ لقوله تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩]، وقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فوائد القصص في القرآن، وهي كثيرة نذكر منها ما يلي:
أولًا: (بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص).
دليل ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٤، ٥]، ثم ذكر الله عز وجل قصص الأنبياء في هذه السورة.
ثانيًا: (بيان عدله جل وعلا بعقوبة المكذبين؛ لقول الله تعالى عن المكذبين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ).
لأننا إذا تتبعنا هذه القصص وجدنا أن الله سبحانه وتعالى انتقم من الظالمين لأي شيء؟ لظلمهم؛ ولهذا قال: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فيتبين بذلك كمال عدل الله سبحانه وتعالى.
ثالثًا: (بيان فضله بمثوبة المؤمنين؛ لقوله الله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ).
الرابع: (تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما أصابه من المكذبين له).
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بما يقولون وما يكذبونه؛ لأنه يحب عليه الصلاة والسلام من جميع الناس أن يؤمنوا، ولكنه يقابل من قومه -وهم أقرب الناس إليه- بالتكذيب والإهانة والأذية، ولا شك أنه سوف يتأذى بهذا، ولكن الله تعالى يسليه بذكر أخبار الأمم السابقة.
يقول عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فاطر: ٢٥] البينات يعني: بالآيات البينات، (الزُّبُر) جمع (زَبُور)، وهو الكتاب، وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ؛ إما أنه من عطف المرادف على مرادفه، كقوله:
......................... فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا

ويكون الفائدة من العطف تظهر في قوله الْمُنِيرِيعني: الكتب التي تنير للناس طريق الهداية، ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر: ٢٦]، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سوف يتسلى بهذا ويتصبر؛ ولهذا تقول الخنساء وهي تتحدث عن مصيبتها لأخيها صخر:
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي

أتأسى بالناس وأقول: هؤلاء أصيبوا أيضًا في إخوانهم وآبائهم وأقاربهم، فتتسلى.
وقد أشار الله إلى هذا في قوله: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]، وهذا يدل على أن اشتراك الناس في العذاب يخفف عليهم، لكن في يوم القيامة لا ينفع هؤلاء اشتراكهم في العذاب.
خامسًا: (ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه إذا علموا نجاة المؤمنين السابقين وانتصار من أمروا بالجهاد؛ لقول الله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨]).
فإن المؤمنين إذا علموا أن الله ينصر من سبق وأنه يثيبهم، فإنهم سوف ينشطون على ما هم عليه من الإيمان ويثبتون عليه.
وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧]، الشاهد من هذا قوله: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَأوجب الله عز وجل على نفسه أن ينصر المؤمنين.
ولكن من هم المؤمنون؟ هل هم المؤمنون بالاسم أو بالحقيقة؟ الثاني؛ هم المؤمنون بالحقيقة الذين صدقوا المرسلين واتبعوا المرسلين، فإن هؤلاء لا بد أن ينصروا؛ لأن الله تكفل بذلك في قوله: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
وفي قوله تعالى: فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواإثبات صفة الانتقام لله عز وجل وأنه ينتقم، لكن ممن؟ من المجرمين، وهذه الصفة لا تُقال على سبيل الإطلاق، لم ترد إلا مقيدة؛ ولهذا نقول: إن عَدَّها من الأسماء الحسنى غلط، كما يوجد الآن في بعض الكتب التي تعد أسماء الله الحسنى يقولون: من أسمائه المنتقم، وليس كذلك؛ لأن المنتقم لم ترد من أسماء الله على وجه الإطلاق، بل مقيدة؛ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]، فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا.
سادسًا: (تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم؛ لقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [محمد: ١٠]).
إلى الآن لم يصل الشاهد في الآية، الشاهد قوله: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَايعني: فاحذروا أيها الكفار أن يصيبكم مثلما أصاب هؤلاء من التدمير، ولكن نقول:
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي

كما قال الله عز وجل: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ [النمل: ٨٠، ٨١].
سابعًا: (إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عز وجل، كقول الله تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩]).
فإذا قصَّ النبي عليه الصلاة والسلام قصصًا على الوجه المطابق دل ذلك على أنه رسول الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يتلقى الأخبار، فإذا أتى بأخبار من سبق دل على أنه يوحى إليه، وأن هذا من الله، وكقوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، فإذا تحدث النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم عنهم عُلم أن ذلك عن طريق الوحي.
هذه سبع فوائد لقصص القرآن، وربما تظهر فوائد أخرى للمتأمل.
طالب: بارك الله فيك، قوله تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣] (...)؟
الشيخ: أصلها الزبر هي الكتب، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل: ٤٣، ٤٤].
طالب: (...) داود (...) زبور؟
الشيخ: كل كتاب يسمى زبورًا، لكن قد يطلق هذا الاسم على شيء معين.
طالب: أحسن الله إليك، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧]، وين خبر كان؛ (حقًّا) ولَّا (علينا)؟
الشيخ: (حقًّا) هذه خبرها مقدم، و(نصرُ) اسمها مؤخر، والتقدير: وكان نصرُ المؤمنين حقًّا علينا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، أحيانًا ترد في القصص أحكام، كمثل: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فهل إذا نسي أحدنا فيشرع له ويسن له أن يقول هذه العبارة؟
الشيخ: أيش يقول؟
الطالب: (...) لا إله إلا الله، عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدًا؟
الشيخ: ما أدري، تحتاج إلى (...).

***

تكرار القصص
00:58:39

الطالب:

تكرار القصص

من القصص القرآنية ما لا يأتي إلا مرة واحدة، مثل قصة لقمان، وأصحاب الكهف، ومنها ما يأتي متكررًا حسب ما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة، ولا يكون هذا المتكرر على وجه واحد، بل يختلف في الطول والقصر، واللين والشدة، وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون آخر، ومن الحكمة في هذا التكرار..
الشيخ: نعم، تكرار القصص في القرآن ليس هذا على سبيل التكرار الذي لا فائدة منه، بل منه فائدة، لكن القصص كما قالوا: منها ما لا يتكرر، كقصة لقمان، وأصحاب الكهف، لم تذكر إلا مرة واحدة، ومنها ما يتكرر حسب ما تدعو الحاجة إليه؛ ولهذا كان أكثر القصص تكرارًا أيش؟
طلبة: قصة موسى.
الشيخ: قصة موسى؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإن اليهود كانوا موجودين في المدينة وقريبين من قريش، وكذلك النصارى في نجران وغيرها؛ لذلك تكررت قصة موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام أكثر من غيرهما، حسب ما تدعو الحاجة إليه وتقتضيه المصلحة، ومع هذا لا يكون هذا التكرار على وجه واحد، بل يختلف في الطول والقصر، واللين والشدة.
وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون الآخر، وإن وجد نادرًا جدًّا أن تأتي الآية هي نفس الآية الأولى، فهذا قليل جدًّا، فمثلًا نجد من أخصر القصص وأشدها ما جاء في سورة القمر؛ فإن القصص قصيرة جدًّا، لكن فيها قوالة عظيمة، تختم كل واحدة بقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٥]، فالذي يقرأ هذه السورة بتدبر لا بد أن يتأثر؛ لأنها عظيمة.
ومن فوائد التكرار ما ستسمعونه الآن.

***

الطالب: أولًا: بيان أهمية تلك القصة؛ لأن تكرارها يدل على العناية بها.
ثانيًا: توكيد تلك القصة؛ لتثبت في قلوب الناس.
ثالثًا: مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها؛ ولهذا تجد الإيجاز والشدة -غالبًا- فيما أتى من القصص في السور المكية، والعكس فيما أتى في السور المدنية.
رابعًا: بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه وذاك الوجه على ما تقتضيه الحال.
خامسًا: ظهور صدق القرآن وأنه من عند الله تعالى؛ حيث تأتي هذه القصص متنوعة بدون تناقض.
الشيخ: نعم، هذه من الحكم؛ (بيان أهمية تلك القصة)؛ ولذلك يكررها الله عز وجل اعتناء بها وتثبيتًا وترسيخًا.
ثانيًا: (مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها؛ ولهذا تجد الإيجاز والشدة -غالبًا- فيما أتى من القصص في السور المكية، والعكس فيما أتى في السور المدنية)، وهذا من بلاغة القرآن؛ مراعاة حال المخاطب، هذه من أعلى أنواع البلاغة.
رابعًا: (بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه وذاك الوجه على ما تقتضيه الحال)؛ لأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هو البلاغة في الحقيقة.
خامسًا: (ظهور صدق القرآن وأنه من عند الله؛ حيث تأتي هذه القصص متنوعة بدون تناقض)، فإن هذا يدل على صدق القرآن، ويدل أيضًا من وجه آخر كونها تأتي على وجوه متعددة مما يدل على صدق القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتلوه على الناس كما ورد، وتعلمون أن الكاذب يحاول أن يخفي كذبه بكل طريق، فيحاول أن يكون كلامه الثاني أيش؟ مثل الأول، حتى لا يقول الناس: إنك كذاب؛ حدثتنا في الأول على وجه كذا، وفي الثاني على وجه كذا، فإذا جاءت القصص فيها نوع من التغاير مع ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم عليها وبيانها للناس دلَّ على أنه صادق عليه الصلاة والسلام.
فإن قال قائل: (متنوعة بدون تناقض)، نجد بعضها يعارض البعض في الظاهر، مثل قصة موسى مع فرعون؛ فإنه في بعض الآيات قال فرعون: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: ٣٤]، وفي بعض الآيات: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ١٠٩]، فكيف الجمع؟
نقول: الجمع سهل جدًّا؛ نسبة هذا القول إلى قومه وإليه لا تعارض بينهما؛ يقول ذلك أولًا، ثم يتبعه قومه، وهذا ليس فيه غرابة، كذلك سَاحِرٌ مُبِينٌسَاحِرٍ عَلِيمٍ؛ لأن الساحر العليم يلزم من علمه أن يبين، وتعلمون أن الأمر ليس كلمة واحدة؛ قد يكون تكلم: سَاحِرٍ عَلِيمٍفي وقت، وسَاحِرٌ مُبِينٌفي وقت آخر، فالإنسان الذكي يستطيع أن يجمع بين ما ظاهره التعارض في القصة الواحدة.
طالب: أحسن الله إليك، لقمان صاحب القصة هل هو نبي أم رجل صالح؟
الشيخ: الذي يظهر أن لقمان رجل صالح أعطاه الله تعالى الحكمة وليس نبيًّا.
طالب: أحسن الله إليك، ما الفرق بين القَصص والقِصص؟
الشيخ: القَصص مصدر، و(القِصص) جمع (قصة).
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بعض كُتاب القصص يكتبون قصصًا تكون مؤثرة في واقع الناس، ولكنها خيالية لا حقيقة لها، فهل يجوز الاستشهاد بها في الوعظ والإرشاد؟
الشيخ: لكن هل ينسبونها إلى شخص معين؟
الطالب: لا ينسبوها إلى شخص معين.
الشيخ: يعني يصورن حالة من الأحوال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، ما تقولون في هذا؟ يقول: بعض الناس تكتب قصص خيالية ما لها أصل، ولا ينسبها إلى شخص معين حتى يقال: إنه كاذب، يصور حالة من الأحوال تؤثر في أخلاق أو آداب، أو ما أشبه ذلك، هل يجوز هذا أو لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، هذا رأي.
طالب: يجوز.
طالب آخر: فيه تفصيل.
الشيخ: تفصيل، ما هو؟
الطالب: هو إن كانت القصة كمثل يضرب مثلًا رجل بآخر وفعل كذا؛ يعني قصة تكون واقعية في الزمن اللي هو فيه، هذا لا بأس به.
الشيخ: لا، هو ما يتكلم عن رجل.
الطالب: قصة تكون وقعت -يا شيخ- في الأزمنة الماضية، هذا لا بأس به، أما إن كانت مكذوبة مثل ما..
الشيخ: المكذوبة أن يخبر بخلاف الواقع، هذا ما أخبر عن شخص، هذا صوَّر حالة من الأحوال؛ ليبين بها حكم مسألة من المسائل، أو يحث عليها، أو ما أشبه ذلك.
طالب: هذه جائزة؛ إذا لم ينص على أحد معين، ذكرنا في الدرس أن بعض أهل العلم قال في مثل قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا [الكهف: ٣٢]: إنها لم تقع، من هذا الباب.
طالب آخر: شيخ، بارك الله فيك، لو كانت لغوًا وكانت ثرثرة فاضية ينبغي تركها، ولو كانت هادفة يعني تُعلم (...) واقعة، فهذه من أجل غرض المصلحة، لا بأس بها.
الشيخ: إي، هذا يقول: إذا كان ثرثرة كلام لغو ما فيه فائدة، فهذه ينبغي تركها ولم يجزم بالتحريم، وإن كانت هادفة وفيها مصلحة، فلا بأس.
على كل حال، في ظني أنكم سوف تختلفون، وسوف يأتي كل واحد من رأسه بتفصيل؛ ولهذا نرجئ الكلام عليها -إن شاء الله- إلى القابلة، وأنتم أيضًا خمروها في رؤوسكم، وانظروا، ونحن الآن متفقون على أنه إن نسبها إلى شخص معين وهو كاذب، هذا حرام، ما فيه إشكال، ولكن إذا قالها على سبيل أن شيئًا ما حدث، وتعلمون الرسول يضرب أمثالًا كثيرة في شيء لم يقع، لكن كل يتصوره وكل يعرفه.

***

الإسرائيليات
01:08:50

الطالب:

الإسرائيليات

الإسرائيليات: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر، أو من النصارى، وتنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع:
الأول: ما أقره الإسلام وشهد بصدقه فهو حق، مثاله ما رواه البخاري وغيره، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[الزمر: ٦٧]» .
الشيخ: الإسرائيليات من القصص، ويجب الحذر منها، خصوصًا إذا كانت تتضمن عيبًا أو لمزًا لأحد الأنبياء، مثل قصة سليمان، وقصة داود، وما أشبه ذلك، كما سنذكر إن شاء الله.
الإسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
(الأول: ما أقره الإسلام وشهد بصدقه)، فهذا حق، حق؛ لأنه عن بني إسرائيل، ولَّا حق؛ لأن الإسلام أقره وشهد بصدقه؟
طلبة: (...).
الشيخ: الثاني، مثاله: ما رواه البخاري وغيره، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله، حَبر ويقال: حِبر، وكلاهما صحيح، والحَبر هو العالم، فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، يقول: يا محمد، ما يقول: يا رسول الله؛ لأنه يهودي، لا يقر برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبِع ولًَّا إصبَع؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: فتح الهمزة وكسر الباء (أصبِع) يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: إي، هذه إصبع، ما حد يغلط فيها أبدًا، اللهم إلا كان من ناحية الإعراب، وإلا من ناحية الصرف ما حد يغلط فيها؛ لأنها مثلثة الهمزة والباء، والصاد ساكنة على كل حال؛ ولهذا جمعت لغاتها في بيت، بل في شطر بيت، في قول الناظم:

وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ

التسع لغات في إصبع، واختم بأصبوع.
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ

المرة الثالثة:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ

طالب:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ

الشيخ: أحسنت، إذن (إصبع) فيها عشر لغات؛ تسع باعتبار حركة الهمزة والباء، والعاشرة أُصْبوع.
الإصبع هنا إصبع من؟ إصبع الرب عز وجل، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر، وليس تعجُّبًا من قوله وإنكارًا له، كما زعمه أهل التحريف الذين يقولون: إن الله ليس له أصابع -والعياذ بالله- ويقولون: إن الرسول إنما ضحك تعجُّبًا وإنكارًا.
فيقال: أأنتم أعلم أم الصحابة؟ وابن مسعود من فقهاء الصحابة ومن أجلَّائهم ومع ذلك قال: إنه ضحك تصديقًا لقول الحبر، وهذه مسألة عظيمة لو كان هذا أمرًا منكرًا، ما اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على مجرد الضحك الذي يحتمل أن يكون تصديقًا، ويحتمل -إن قيل به- أن يكون إنكارًا، لو كان منكرًا لأنكره صراحة، ثم قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام أيضًا، قرأ مقررًا لهذا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِأي: ما عظموا الله حق تعظيمه، مع أنه عز وجل في هذه العظمة العظيمة؛ الأرض جميعًا كلها قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، كما قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤].
طالب: الآية: ما قدروا الله؟
الشيخ: لا، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ.

***

الطالب: الثاني: ما أنكره الإسلام وشهد بكذبه فهو باطل، مثاله ما روه البخاري، عن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.
الشيخ: هذا الذي شهد شرعنا بتكذبيه يجب علينا أن نكذبه، مثل قول اليهود: إن الرجل إذا جامع زوجته في قُبُلها من دُبُرها صار الولد أحول، والحول هو ميل العين إلى أحد الجانبين، فأنزل الله هذه الآية: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، والحرث موضع الزرع، وهو بالنسبة للنساء أيش؟ القُبُل، فأتوا هذا الحرث، أَنَّى شِئْتُمْيعني: من أي جهة شئتم، وعلى أي حال كنتم، لكن يكون الإتيان في الحرث فقط، وهذا تكذيب لقول اليهود: إن الإنسان إذا أتى امرأته من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحول.

***

الطالب: الثالث: ما لم يقره الإسلام ولم ينكره، فيجب التوقف فيه؛ لما رواه البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون الكتاب بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، ووَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ»، ولكن التحدث بهذا النوع جائز إذا لم يُخْشَ محذورٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، رواه البخاري .
الشيخ: هذا الثالث هو الميدان الفسيح لناقل الإسرائيليات؛ ما لم يرد في شرعنا تصديقه ولا تكذيبه، فهذا يجب التوقف فيه، لا نصدِّق ولا نكذِّب؛ لأننا إن صدقناه وهو باطل فقد صدَّقنا بباطل، وإن كذبناه وهو حق فقد كذَّبنا بحق، فالواجب التوقف، ودليل ذلك حديث أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، العبرانية هذه لغة اليهود، قال شيخ الإسلام: وهي قريبة من اللغة العربية، واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود، فتعلمها في أيام قليلة ، نحو ستة عشر يومًا، فدل ذلك على أنها سهلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَلَكِنْ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ».
وإذا كنا لا نصدِّق ولا نكذِّب فيعني هذا أننا نتوقف، ولكن التحدث بهذا النوع –يعني: الذي لم يرد شرعنا بإنكاره ولا إثباته- جائز بشرط إذا لم يُخْشَ محذورٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، رواه البخاري.
المحذور الذي يخشى منه: أن يتجه الناس إلى هذه القصص ويدعوا ما جاء في القرآن والسنة، فإذا كنا إذا أتينا بهذه الإسرائيليات التي ليس في شرعنا تصديقها ولا تكذيبها انهمك الناس بها وأقبلوا إليها، وتركوا ما في القرآن والسنة من المواعظ، ففي هذه الحال ماذا نعمل؟ يجب ألَّا ننقلها للناس، وألَّا نتحدث بها؛ لأن كل شيء يفضي إلى الإعراض عن الكتاب والسنة فإنه محرم.

***

الطالب: وغالب ما يروى عنهم من ذلك؛ ليس به فائدة في الدين، كتعيين لون كلب أصحاب الكهف، ونحوه.
الشيخ: أكثر ما يروى عن الإسرائيليين ليس فيه كبير فائدة، مثلًا يقولون في كلب أصحاب الكهف: ما لونه؟ ويش علينا من هذا، يقولون في طعام الذي أماته الله مئة عام: ويش هذا الطعام؟ حنطة، عنب، تمر، وما أشبه ذلك، ما علينا؛ لأن هذا ما فيه فائدة كبيرة؛ لذلك أكثر ما يروى عنهم هو هذا الذي لا فائدة فيه.

***

الطالب: وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام؛ لما رواه الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله رضي الله.
الشيخ: إذن أخبار بني إسرائيل تنقسم إلى كم؟ ثلاثة أقسام؛
ما شهد شرعنا بصدقه، وما شهد شرعنا بكذبه، وما لم يشهد شرعنا بكذبه ولا صدقه، الأول أيش؟ الأول مقبول؛ لأن شرعنا شهد به، والثاني: منكر مردود؛ لأن شرعنا كذَّبه، والثالث: يجب أن نتوقف فيه، ولكن هل نتحدث به؟ نعم، بشرط أيش؟ ألَّا يكون في ذلك محذور شرعي.

***

الطالب: وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام؛ لما رواه الإمام أحمد.
الشيخ: نعم، غالب ما يروى عن.. مثل تعيين لون كلب أصحاب الكهف، وذكرنا مثالًا آخر؛ الذي أماته الله مئة عام ما نوع طعامه؟ أيضًا من ذلك الشجرة التي نهى الله تعالى آدم وحواء أن يأكلا منها، ما هي؟ أي شجرة هذه؟ لا فائدة من ذلك.

***

الطالب: وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام؛ لما رواه الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
كذا يا شيخ: رضي الله عنْه؟
الشيخ: عنه، عندي: عنه، والمعروف أنه إذا كان أبوه مسلمًا قيل: رضي الله عنهما، وهذا أحسن، لو عدلتموه كان أحسن.

***

الطالب: لما رواه الإمام أحمد ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ؛ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا؛ فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، أَوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي».
وروى البخاري ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله محضًا لم يشب؟! وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدَّلوا من كتاب الله وغيروا، فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا واللهِ ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم.
الشيخ: رضي الله عنه، هذا كلام جيد جزل، وبه نعرف أن ما يذكره علماء الحديث في المصطلح أن ابن عباس ممن عرف بالأخذ عن بني إسرائيل أنه لا صحة له؛ لأنه كيف يأخذ عن بني إسرائيل وهو ينهى عن الأخذ منهم؟! فهو يقول: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على نبيكم أحدث الأخبار عن الله؟! لأنه آخر ما نزل محضًا لم يشب؛ يعني: ما بُدِّل ولا غُيِّر، ولا زيد فيه ولا نقص منه.
(وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدَّلوا من كتاب الله وغيروا، فكتبوا بأيديهم قالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا واللهِ ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم).
كيف هم لا يسألوننا عن الذي أنزل إلينا مع أنه آخر ما نزل، كيف نحن نسألهم؟! وهذا من باب الإغراء في ترك سؤالهم، كأنه يقول: إذا كانوا هم لا يسألونكم، فكيف تسألونهم؟
فإن قال قائل: أليس الله يقول: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤]؟
فيقال: ليس هذا سؤال استعلام، ولكنه سؤال إثبات لما نزل، ثم إن هذه القضية –أعني: الشرطية؛ إن كنت في شك- لم تَرِدْ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ولم يسألهم.
طالب: (...) الإسرائيليات، لو قال قائل: إن التحدث بها نوع من التصديق لها؟
الشيخ: لا، إذا أضافها إلى بني إسرائيل ما هو تصديق، لكن إن ظن المخاطب أنه تصديق فيمنع؛ يعني قلنا: ما لم يكن في ذلك محذور.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إذا كان محذورًا يمنع.

***

موقف العلماء من الإسرائيليات
01:27:36

الطالب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير:
موقف العلماء من الإسرائيليات.
اختلفت مواقف العلماء ولا سيما المفسرون من هذه الإسرائيليات على ثلاثة أنحاء:
فمنهم من أكثر منها مقرونة بأسانيدها، ورأى أنه بذكر أسانيدها خرج من عهدتها، مثل ابن جرير الطبري.
ومنهم من أكثر منها وجرَّدها من الأسانيد غالبًا، فكان حاطب ليل، مثل البغوي الذي قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تفسيره: إنه مختصر من الثعلبي، لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، وقال عن الثعلبي: إنه حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.
ومنهم من ذكر كثيرًا منها وتعقب البعض مما ذكره بالتضعيف أو الإنكار، مثل ابن كثير.
ومنهم من بالغ في ردها ولم يذكر منها شيئًا يجعله تفسيرًا للقرآن، كمحمد رشيد رضا.
الشيخ: قوله: (موقف العلماء من الإسرائيليات) هذا قد علم مما سبق أن الاسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم شهد شرعنا بصدقه، فهذا يصدق؛ لأن شرعنا شهد به.
والثاني: شهد بخلافه، فهذا لا يصدق.
والثالث: لم يرد شرعنا بنفيه ولا إثباته، فهذا يتوقف فيه.
لكن قوله: (موقف العلماء) مراده بذلك: استعمال العلماء للإسرائيليات؛ هل هم يكثرون منها أو يقللون؟ وهل يعتبرونها أو لا يعتبرونها؟ هذا هو المقصود بهذه الترجمة.
فالعلماء رحمهم الله (منهم من أكثر منها، لكنه ذكرها مقرونة بأسانيدها)، ورأى أنه إذا ذكرها مقرونة بأسانيدها خرج من العهدة.
ولكن قد يقال: إن هذا فيه نظر؛ لأنه إذا ذكرها فقد لا يتيسر للقارئ أن يراجع أصولها ويعرفها، ولكن يعتذر عن ابن جرير وأشباهه أنهم -والله أعلم- لم يكن لهم فراغ في تمحيصها وتحريرها، وخافوا من ضياع الصحيح منها، فقالوا: نثبتها، ولعل الله يأتي بمن ينقحها ويحررها.
والقسم الثاني: (من أكثر منها وجردها من الأسانيد غالبًا)، وهذا أقل رتبة من الأول؛ لأن الأول يذكر الأسانيد، وبإمكان الإنسان أن يراجعها ويعرف الصحيح من الضعيف، لكن هذا لا يذكر الأسانيد، فكان حاطب ليل مثل البغوي.